فلما جاء الإمام الطبري جمع بين التيارين السابقين: التفسير اللغوي والتفسير الأثري، وأضاف لهما استنباطاته ونظراته.
وهو بعمله هذا أرسى دعائم منهج متفرّد في التفسير، يمكن أن نسميه"المنهج الجامع"، وفسّر الطبري القرآن كله، سورةً سورةً، وآية آية، وجملة جملة، وفق هذا المنهج الجامع.
ولقد قام المنهج الجامع الأصيل في التفسير على ثلاث أسس منهجية موضوعية، يمكن ملاحظتها في تفسيره"جامع البيان عن تأويل آي القرآن".
الأول: تفسير القرآن على أسس فقه اللغة، ببيان معاني الكلمات والجمل والآيات، وتقديم تحليلات وتوجيهات بيانية بلاغية لغوية، والاستشهاد بالشواهد الشعرية، وإجراء نقاشات لغوية مع أئمة اللغة والبيان.
وقد استفاد الطبري من (( مجاز القرآن ) )لأبي عبيدة، و (( تأويل مشكل القرآن ) )لابن قتيبة، و (( معاني القرآن ) )للفراء، وكانت استفادته من كتاب الفراء أكثر.
الثاني: تفسير القرآن على أساس الأقوال المأثورة، حيث كان الطبري يفسر القرآن بالقرآن، ثم بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين، ثم بأقوال أتباع التابعين.
و كان يورد هذه الأقوال بأسانيدها المكرّرة، ويُجري حولها نقاشات، ويرجح المناسب منها.
وقد جمع في تفسيره معظم ما قاله العلماء من قبله من الأقوال المأثورة في التفسير، بحيث كان تفسيره"مستودعًا"لهذه الأقوال.
الثالث: تقديم استنباطاته وتأويلاته وآرائه المستمدة من الآيات، حيث كان يقوم بتدبر الآيات، ويمعن النظر في معانيها، ويستخرج منها بعض ما توحي له من معانٍ واستنباطات ودلالات.
ونلاحظ أن هذه الخطوة الثالثة منه، تأتي في ترتيبها المناسب، حيث كان يسبقها ثمرة علمه اللغوي البياني، ثم ثمرة علمه الروائي، فتأتي استنباطات الطبري نتاجًا