فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 331

وهذه الآية تهديد لهؤلاء البخلاء المتثاقلين، كما أنها تحذير للمسلمين، حتى يستمروا في الإنفاق والإعداد، وفي الحشد والجهاد، وحتى لا يتوقفوا أو يبخلوا أو يتراجعوا.

وآخر جملة في هذه الخاتمة تذكير للمؤمنين بسنة ربانية مطردة، هي سنة الاستبدال: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38] ، وهذا التذكير يحمل معنى التحذير، كما يحمل معنى التهديد.

وخلاصة سنة الاستبدال: أن الله يرشح قوما من المسلمين للعزة والريادة والخلافة والأستاذية، ويبتليهم بالتكاليف والواجبات التي تقود إلى ذلك المركز المتقدم، ويجب عليهم الجهاد والمواجهة للباطل وتحدّى جنوده، ويدعوهم إلى الإنفاق على الجهاد ودعمه وتمويله.

فإن قاموا بواجبهم، فإن الله يحقق لهم ما يرجون، ويمنّ عليهم بنصره وتأييده، ويحقق لهم العزة في الدنيا، والجنة في الآخرة.

وإن لم يقوموا بواجبهم، بل تولوا وقعدوا، وتخلفوا وبخلوا، وجبنوا واستسلموا، وذلوا وضعفوا، فإنهم لن يضروا الله ولا دينه، لأن الله هو الغني، وهم الفقراء الضعفاء.

عند ذلك يذهب الله بهم، ويُنزلهم عن مكانتهم، ويُلغي ترشيحهم للفضل، ويُعيدهم إلى هامش الحياة والوجود، ثم يأتي بقوم آخرين، أعزّ وأكرم وأفضل منهم، ينصر بهم دينه، ويقدم لهم فضله وكرمه.

ولقد أثّرت هذه الخاتمة أثرها المطلوب في نفوس المؤمنين، وفهموا ما تحمله من تهديد وتحذير، فتخلّى البخلاء عن بخلهم، واستعلى الضعفاء على ضعفهم، وتخلص المتثاقلون من أمراضهم، وتسابقوا للإنفاق والجهاد.

وبذلك لم يتولّ المؤمنون عن مهمتهم، ولم يتخلّوا عن واجبهم، ولذلك لم يستبدل قوما غيرهم بهم، وبقوا أمة الخلافة والريادة والجهاد.

وهذه الآية الخاتمة هي خاتمة موضوعية مناسبة للسورة، فموضوع السورة هو الجهاد، وشخصيتها هي الجهاد، ودروسها تقرر الجهاد، فناسب أن تكون خاتمتها تحذيرا من القعود والنكوص والتثاقل والتولي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت