فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 995

الفتوى رقم: 973

السؤال:

تُروَّجُ بين آونة وأخرى رسالةٌ يزعم صاحبها -بعدما ختم القرآن- أنّه رأى في منامه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحدّثه بأنه: « في هذا اليوم مات من الدنيا ستة آلاف (6000) مسلم ولم يدخل أحد منهم الجنة، فالزوجات لا تطعن أزواجهن، والأغنياء لا يساعدون الفقراء، والناس لا تؤدي المناسك المطلوبة منهم، والمسلمون لا يصلّون الصلوات بانتظام، كلٌّ على حدة، والشيخ أحمد يتولى لكم هذا...» الخ يدّعي مروجوها أنه من لم يطبعها ولم يوزعها على خمس وعشرين شخصا ولم يبال بها لن يرى الخير بعد ذلك، وأن من طبعها ووزعها سوف ينال الأجر. كما زعم أنّ شخصا اعتنى بها وكان لا يعمل فرُزِق بعمل، وأن آخر كان عاملا أهملها فضيّع عمله ومنصِبَه.

فنرجو منكم بيان ما مدى صحة الرؤيا المنامية؟ وما حكم نشر هذه الرسالة؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فاعلم أن من شرط الرؤيا الصالحة أن تتجلى صلاحيتها في عدم مخالفتها للمعتقد السليم وللحكم الشرعي الصحيح، وأن تكون من الرجل الصالح، وهذه الشروط غير متحققة الوقوع في الرسالة المزعومة، ولا مضامينُها مطابقة للمنهج السليم، ويظهر بطلانها أن المدعي «صاحب الرسالة» مجهول العين لا يُعلم صلاحُه وتقواه من ضلاله ودجله، وأمّا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ رَآني في المنَامِ فَقَدْ رَآني، فَإِنَّ الشَيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ بِي» (1) فإنّ رؤيته صلى الله عليه وآله وسلم في المنام لا تكون حقا إلا إذا وافقت صورتَه وصفتَه التي كان عليها في الدنيا، فقد قصَّ رجل على ابن سيرين أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: «صف لي الذي رأيته» ، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: «لم تره» (2) .

وعليه، فالحكم بأحقيةِ ما رآه النائم من صورة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم يجب أن تحصل المشابهة في صورته الحقيقية بأوصافها الخِلقية والخُلقية التي جمعتها السنن والآثار في الجملة، فإن وقعت المخالفة في أحدِ الأوصاف المعروفة أو في مجموعها فلا تكون إلاّ أضغاث أحلام سببها تلاعب الشيطان بابن آدم، ذلك لأنّ الشيطان لا يتمثّل بصورة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم الحقيقية، وإنما يتمثّل في صورة أخرى يُخيَّل للرائي أنها صورةُ النبي صلى الله عليه وآله سلم وليست كذلك، ومن جهة أخرى كيف يأمن العبدُ أن تكون رؤيا صالحةً، أو يكونَ هو من الصالحين وهو أمر لا يُعرف إلاّ بموافقة الشرع، لذلك فلا عصمة فيما يراه النائم، ويلزمه -والحال هذه- عرض ما رآه على الشرع فإن وافقه فالحكم بما استقرّ عليه الشرع، إذ أحكامُ الشريعة وأصول الدين غير موقوفةٍ على ما يُرى في المنامات، وإن خالف الشرع رُدَّ مهما كان حال الرائي أو المرئي، ويُحكم على تلك الرؤيا بأنها حُلم من الشيطان، وأنها كاذبة وأضغاث أحلام.

وإذا تقرر هذا المسلك فإنّ هذه الرسالة المزعومة شطحةٌ صوفيةٌ لا ينبغي تصديقُها، ناهيك عن اعتقاد محتواها أو تنفيذ مضمونها بالطباعة والتوزيع، والتزامُ العمل بمثل هذه الرؤيا المخالفة للمُتيقَّن من الشرع إنّما هو عمل بالظنون والأوهام، فكيف يترك المتيقّن للموهم؟

وبناء عليه: فإنّ تنفيذ مضامين هذه الرسالة أو العمل بمقتضاها المخالف للشرع ما هو إلاّ اعتقاد كامن في أنّ الشريعة قابلةٌ للنسخ بالرؤى المنامية، وهو -بلا شك- إقرارٌ ضمني بتجديد الوحي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو باطل بإجماع المسلمين.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 09 المحرم 1430هـ

الموافق لـ: 06 جانفي 2009م

1-أخرجه البخاري كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (110) ، وفي كتاب الأدب، باب من سمى بأسماء الأنبياء: (6179) ، ومسلم كتاب الرؤيا: (6056) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

2-علّقه البخاري: (3/449) ، قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» : (12/465) : «وقد رويناه موصولًا من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي وسنده صحيح» ، وانظر: «السلسلة الصحيحة» : (6-1/517) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت