الفتوى رقم: 843
السؤال:
هل أجرُ الصلاة في المسجد الحرام يُلحق به بقيةُ مساجد مكةَ؟ -مع التفصيل إن أمكن- وجزاكم اللهُ خيرًا.
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فقد يُطلقُ لفظُ المسجِدِ الحرامِ وَيُرَادُ به مَعَانٍ مُتعدِّدةٌ منهَا: الكَعْبَةُ كما في قوله تعالى: ?فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ? [البقرة: 144] ، وقد يُرَادُ به الكَعْبَةُ وما حَوْلَهَا كما في قوله تعالى: ?أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ..? [التوبة: 19] ، وقد يُرَادُ به الحَرَمُ كُلُّهُ بحدودِه المعروفةِ كما في قوله تعالى: ?إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا? [التوبة: 28] ، وقد يُرَادُ به مَكَّةُ كما في قوله تعالى: ?..ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ? [البقرة: 196] .
هذا، ولا خلافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ في دُخُولِ الكَعْبَةِ وما حولها في المسْجِدِ الحرامِ، ولَكِنَّ الخِلاَفَ فِيمَا عَدَاهُمَا، وَسَبَبُ اختلافِهم يرْجِعُ إلى المعاني السَّابِقَةِ للمَسْجِدِ الحرامِ. وفي تقديري أنَّ قَصْرَ المسْجِدِ الحرَامِ على الكَعْبَةِ وما حَوْلَهَا هو الأَقْرَبُ إلى الصَّوَابِ، وهو مذهبُ الشَّافِعِي وبعضِ المالكيةِ، خِلاَفًا لمنْ يَرَى أَنّه الحَرَمُ كُلُّه بحدودِهِ المعروفَةِ، وهو مذهبُ بعضِ الشَّافعيةِ وأكثرِ الأحنافِ والحنابلةِ، وهو المنقولُ عن ابن عباسٍ وأبي هريرةَ رضي الله عنهم، وخلافًا لمنْ عمَّمهُ على كلِّ مَكَّةَ، ويمكن أن يُعَلَّلَ هذَا الاختيارُ بما يلي:
-إنَّ القدر المكاني المتمثِّل في الكعبة وما حولها متفقٌ عليه بين العلماء.
-ولأنَّ جريانَ عُرْفِ الناسِ في اعتبار المسجدِ: مكان إيقاع الصلاة في الكعبة وما حولها، ويشهد لذلك قولُه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلاَّ الْمَسْجِد الْحَرَامَ » (1) ، وتنصرف الإشارةُ بقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « هَذَا » إلى المعهود في زمنه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، والأجر إنَّما خُصَّ بموضعِ الصلاة، فكان مرادُه الكعبة وما حولها. وممَّا يشهد لذلك قولُه تعالى: ?جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاما لِّلنَّاسِ? [المائدة: 97] ، وقولُه تعالى: ?..لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ..? [الفتح: 27] ، وقولُه تعالى: ?..وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ..? [الحج: 25] ، إنَّما يرادُ بهذه الآيات الكعبة وما حولها.
-ولأنَّ الثابتَ أنَّه أُسْرِيَ به من المسجدِ الحرامِ كَمَا ثَبَت في الصحيحين (2) ، وذلك في قوله تعالى: ?سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى? [الإسراء: 1] ، ولا يُعارَض برواية إسرائه من بيت أمِّ هانئ الذي هو داخلُ حدود الحرم لأنَّها رواية مرسلة، قال ابن كثير -رحمه الله-: « أرسل هذا الحديثَ غيرُ واحدٍ من التابعين وأئمِّة المفسِّرين » (3) ، وعلى فرض صِحَّتها فهي معارضة بالروايات الصحيحة التي تُقدَّم عليها بالنظر إلى أنّه لم يثبت له إسراء إلاَّ مرَّة واحدة، لذلك يتعذَّر الجمع بين الروايتين.
-أمَّا الآيات التي تقضي بظاهرها شمولَ الحرمِ كلِّه وكذا عموم مَكَّةَ فيمكن الجواب عنها من جهتين:
الأولى: إنَّه من إطلاق الكلِّ وإرادة الجزء.
الثانية: إنّها محتملة الشمول وغير متيقّنة، والمعلوم أنّه: « لاَ يُتْرَكُ المتَيَقَّنُ لِلْمُحْتَمَلِ » ، «وَلاَ المُحَقَّقُّ لِلْمُوهَمِ » .
-ولأنَّ قصرَ المسجدِ الحرام على الكعبة وما حولها في تحصيل الأجر عمل بالاحتياط، وهو الأَوْلَى بالأخذ به لسلامته وقربه من تحصيل المصلحة.
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 05 صفر 1429ه
الموافق ل: 12 فبراير 2008م
1-متفق عليه: أخرجه البخاري في «التطوع » ، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة: (1133) ، ومسلم في «الحج » ، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة: (3375) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
2-أخرجه البخاري في «المناقب » ، باب كان النبي تنام عينه ولا ينام قلبه: (3377) ، ومسلم في «الإيمان » ، باب الإسراء برسول الله إلى السم?وات: (414) ، من حديث أنس رضي الله عنه.
3- «تفسير ابن كثير » : (3/21) .