الفتوى رقم: 357
السؤال: أخ يسأل عن كيفية تعامله مع أخته التي صارت مدمنة على الخمور مع أنّها تقيم بعض الواجبات الشرعية؟
الجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فاعلم أنّ مخالطة أهل المعاصي والفساق محذورة شرعا فإنّ مقارفها لا يجوز مؤاخاته ابتداء وتجب مقاطعته انتهاء لأن الحكم إذا ثبت لعلة فالقياس يزول بزوالها، والعلة الثابتة في التآخي هي التعاون في الدين ولا يدوم ذلك مع مقارفة المعصية.
واعلم أنّ الرحم واجبة وقطيعته محرمة شرعا، وأدنى درجاتها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسّلام، فالقرابة حق متأكد يجب الوفاء به، ومن الوفاء به أن لا يهمل القريب أيام محنته وحاجته وفقره، وفقر الدين أعظم وأشدّ من فقر المال.
وتأسيسا على ما تقدم، فإنّ أختك -وإن أدمنت على الخمر والمعاصي- فهي ظالمة لنفسها بارتكابها ما حرم الله تعالى، وهي من حيث تركت بعض الواجبات التي لا تصل إلى الكفر الأكبر، فتستحق البراء من جهة العصيان والولاء من جهة الإيمان لما رواه البخاري أنّ عبد الله بن حمار كان يشرب الخمر فأتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعنه رجل، وقال: ما أكثر ما يؤتى به. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تلعنه إنّه يحب الله ورسوله" (1) ثمّ إنّها من لحمة النسب، والقريب لا يجوز أن يهجر مطلقا على الراجح من المذاهب إذ لا يعني البراء من فاعل المعصية الإساءة له بالقول والفعل، بل المطلوب حسن المعاملة، إذ هو خلق نبيل يأمر به الشارع وتحض عليه الشريعة، وقد قال تعالى في شأن الأبوين المشركين والكفار في الجملة غير المحاربين ?وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعمهما وصاحبهما في الدنيا معروفا? [لقمان:15] وأمر تعالى بمعاشرة الزوجات بالمعروف ولو كن كتابيات كما أمرنا سبحانه بحسن مخالقة المؤتمنين والمعاهدين بقوله تعالى: ?لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين? [الممتحنة:8] وفي حكم الأبوين كل الأقارب، فالواجب نحوهم حسن معاملتهم وعدم الإقرار على معصيتهم لعموم قوله سبحانه: ?واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا، وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم? [النساء:36] ومن هنا ظهر الفرق بين عقيدة البراء وحسن المعاملة وقد تتجلى في قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه: (إننّي براء ممّا تعبدون? [الزخرف:26] ولقوله عزّ وجلّ لنبيه صلى الله عليه وسلم في عشيرته: ?فإن عصوك فقل إني بريء ممّا تعملون? [الشعراء:216] ولم يقل إنّي بريء منكم مراعاة لحق القرابة ولحمة
النسب، أمّا النصرة والتأييد لأهل الكفر والمعاصي فهو أمر محرم شرعا.
هذا والذي ينبغي القيام به أن يتلطف في نصحها بما يجمع شملها ويعيدها إلى الصلاح ما استطاع، فإن لم يقدر وبقيت مصرة على المعصية، فليبغضها من حيث أحبّها فهذا من مقتضى البغض في الله، ليبرأ من المعصية لكون ما تقترفه من أفعال ممقوتة عند الله تعالى.
وليس معنى البغض في الله الهجرة والمقاطعة كما هو مذهب بعض الصحابة كأبي ذر وابن عمر رضي الله عنهم وغيرهما وبعض التابعين إذا لم تنفع الموعظة، بل ينبغي عليه أن يراقب ويراعي ولا يهمل ويتلطف بها ويعينها على الخروج والخلاص من تلك الوقعة التي ألمّت بها متى استطاع إلى ذلك سبيلا، ولهذا لمّا قيل لأبي الدّرداء: ألا تبغض أخاك وقد فعل كذا
فقال:"إنّما أبغض عمله وإلاّ فهو أخي"وأخوة الدين أوكد من أخوة القرابة.
ثمّ إنّا نعلم أنّ الذين شربوا الخمر وتعاطوا الفواحش في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن الصحابة يهجرونهم بالكلية، بل كانوا منقسمين فيهم إلى من يغلظ القول ويظهر البغض، وإلى من يعرض عنه ولا يتعرض له، وإلى من ينظر إليه بعين الرحمة ولا يؤثر المقاطعة والتباعد.
قلت: إنّما هذا إذا كانت الأخوة في الدين فما بالك إذا اجتمعت أخوة الدين والقرابة معًا؟
وهذا كلّه في زلّته في دينه، أمّا زلّته في حقه أو ما صدر منه من المعاصي في هفوة التي يعلم أنّه قد ندم عليها ولا يُصرُ عليها فعلى المسلم فيه الستر والإغماض والعفو والاحتمال أي كل ما يحتمل تنزيله على وجه حسن ويتصور تمهيد عذر قريب أو بعيد فهو واجب بحق الأخوة الدينية.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين.
1-أخرجه البخاري في الحدود رقم (6780) ، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.