الفتوى رقم: 359
السؤال: لقد عمّت ظاهرة الغش في المعاملات التجارية، حتى أضحى كثير من المستوردين يأخذون سلعة أصلية إلى الصين، ويصنعون أمثالها، وتوضع في علب شبيهة بالأصلية، وتسوَّق على أنّها الأصلية، فهل يعدّ هذا اعتداء على حقوق الغير؟ وماذا يلزم من يملك مثل هذه البضائع؟
الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فالمسلم ينبغي أن يكون صادقًا، ويلتزمه كخلق له ظاهرًا وباطنا، فإذا عامل غيره صدقه في معاملته فلا يغشه، ولا يخدعه، ولا يغرّر به، ولا يزوّر عليه بحال من الأحوال، ذلك لأنَّ الصدق من متمّمات إيمانه، ومكمّلات إسلامه قال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ? [التوبة: 119] .
وهذه المعاملة غير جائزة شرعًا، لما فيها من اعتداء على مال الغير بغير إذنه، والكذب على الناس وغِشّهم، ومخالفة وليِّ الأمر، وهذه صفات قبيحة، وإذاية للمسلمين، والقبح لا يكون خُلُقًا للمسلم ولا وصفًا له بحال قال تعالى: ?وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا? [الأحزاب: 58] ، وقال تعالى: ?وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ? [فاطر: 43] .
والمسلم قريب من الخير، بعيد عن الشر، فيجتنبه ولا يعين عليه لقوله تعالى?:وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ? [المائدة: 2] .
وبناء عليه، فمن باع هذه السلع والبضائع المغشوشة على صفتها فهو غير ناصح ولا أمين، وفي الحديث:"أدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَن ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" (1) ويلحقه الإثم، وربحه ليس محرما لذاته، وله أن ينتفع به، ومن بقيت عنده من تلك البضاعة، فعليه تعريف المشتري بحالها، إن رغب في شرائها منه، ويمتنِع بعد التخلص منها عن الإعانة عليها، وعلى المسلم أن يتقي الله، ويسلك طرق الكسب الحلال، فإنَّ تقوى الله وإرضاءه سبب لتيسير الله أمره، قال تعالى: ?وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا? [الطلاق: 2-3] .
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
الجزائر في: 1 صفر 1427ه
الموافق لـ: 1 فبراير 2006م
1-أخرجه الترمذي في"البيوع" (1264) ، وأبو داود في"الإجارة" (3535) ، والدارمي في كتاب"البيوع"باب: في أداء الأمانة واجتناب الخيانة (2652) . من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في"سلسلة الأحاديث الصحيحة"رقم (424) .