فهرس الكتاب

الصفحة 748 من 995

الفتوى رقم: 207

السؤال: فالبرغم ما ندفعه من ضرائب ورسوم للدولة، فإنّه كثيرا ما تجمّد حاوياتنا في الميناء، فتمنع أمتعتنا، وبالتالي تتعطل مصالحنا وتتكسد تجارتنا إذا لم ندفع أموالا للجمارك، فهل يجوز أن ندفع المفاسد عن أموالنا بالرشوة؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا.

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين أمّا بعد:

فالرشوة في الأصل حرام وهي من الكبائر، غير أنّ العلماء يستثنون من حكم التحريم من صانع بماله عند اضطراره ويؤثمون الآخذ المرتشي دون الراشي، ذلك لأنّ الرشوة إنّما هي ما يُعطى لإحقاق باطل أو إبطال حق (1) ، ويخرج من مفهوم هذا الضابط من سلك طريقها للوصول إلى حق مهدد أو رفع عدوان ظالم أو دفعه قبل حصوله، ويدلّ عليه ما أخرجه أحمد وأبو يعلى بسند صحيح وأورده الهيتمي:"أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: دخل رجلان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسألانه في شيء، فأعانهما بدينارين فخرجا فإذا هما يثنيان خيرا، فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله رأيت فلانا وفلانا خرجا من عندك يثنيان خيرا، قال: لكن فلانا ما يقول ذاك، وقد أعطيته ما بين عشرة إلى مائة فما يقول ذلك، وإنّ أحدكم ليخرج بصدقته من عندي متأبطها (يحملها تحت إبطه) وإنّما هي له نار، قال عمر: يا رسول الله كيف تعطيه وقد علمت أنّها له نار؟ قال: فما أصنع؟ يأبون إلاّ مسألتي، ويأبى الله عزّ وجلّ لي البخل" (2) ، و إذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعطي السائل الملحَّ في طلبه مالا، وهو يعلم عدم استحقاقه له وهو له نار وكان عطاؤه نتيجة الإلحاح في المسألة، فمن باب أولى ما تكون الحاجة داعية إلى استرجاع حق مضيع، أو دفع ورفع جور ظالم. وقد روى أهل الحديث أنّ عبد الله بن مسعود لمّا كان بالحبشة رشا بدينارين وقال:"إنّما الإثم على القابض دون الدافع" (3) .

هذا، وقد نقل ابن العربي في العارضة (4) ما يتفق على هذا المعنى، وجاء في التحفة (5) وفي المغني (6) عن جماعة من أئمة التابعين قولهم:"لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم"، وقال جابر بن يزيد:"رأينا في زمن زياد أنفع لنا من الرشا"و قد ذكر القرطبي رواية عن وهب بن منبه أنّه قيل له: الرشوة حرام في كلّ شيء؛ فقال: لا، إنّما يكره من الرشوة أن ترشي لتعطى وليس لك أو تدفع حقا قد لزمك، فأمّا أن ترشي لتدفع عن دينك ودمك ومالك، فليس بحرام

قال أبو الليث السمرقندي الفقيه: وبهذا نأخذ أن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة" (7) . ولأنّ المعطي كالمكره على إعطائه يستنقذ ماله كما يستنقذ الرجل أسيره، وضمن هذا المنظور أيّد شيخ الإسلام ابن تيمية -بعد تفصيل طويل في المجموع- ما سبق تقريره في المضطر إلى المصانعة بماله، وقد بيّن في سياق الاستدلال قاعدة فقهية مهمة مقتضاها:"أنّ التحريم في حق الآدميين إذا كان من أحد الجانبين لم يثبت في الجانب الآخر" (8) . وقد أورد لهذه المسألة جملة من الأمثلة منها:"

-شراء الرجل ملكه المغصوب من الغاصب، فإنّ البائع يحرم عليه الثمن، والمشتري لا يحرم عليه أخذ ملكه ولا بذل ما بذله من الثمن.

-وكذلك الأسير والعبد المعتق إذا أنكر سيده عتقه.

-والزوجة يطلقها زوجها ثمّ ينكر طلاقها فكلّ منهما يفدي نفسه بالمال ليحق حقا وهو العتق والطلاق ومعلوم أنّهما حق لله تعالى وإلاّ بقيت الزوجة على غير عصمة (9) .

هذا، ونختم الجواب بما جاء في الزواجر قوله:"فمن أعطى قاضيا أو حاكما رشوة وأهدى إليه هدية فإن كان ليحكم له بحق أو دفع ظلم عنه أو لينال ما يستحقه فسق للآخذ ولم يأثم المعطي لاضطراره إلى التوصل إلى حقه بأي طريق كان. أمّا الرائش (الساعي بين الراشي والمرتشي) فتابع للراشي في قصده إن قصد خيرا لم تلحقه اللعنة وإلا لحقته" (10) .

والله أعلم.

ملاحظة:

وجدير بالتنبيه أنّ الذي يصانع بماله ينبغي عليه أن يكره الفعل وينكر على الفاعل ولو بقلبه من غير أن يكون راضيا أو باغيا له. هذا والحريص على دينه-إن لم يكن مضطرا بمثل هذه الأعمال التجارية- أن يهجرها إلى أعمال أخرى تجنبا للمعصية ومخالطة أهل المعاصي والآثام والظلم والعدوان، وابتعادا عن الآثام لئلا تهون عنده المعصية فيتعامل بها ويرضى ويحث الناس عليها فقد جاء في الحديث:"المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (11) وما نهى عنه رجس والمسلم مأمور باجتناب الرجس قال تعالى: ?والرُّجْزَ فَاهْجُرْ? [المدثر:5] .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمّد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

الجزائر في: 20 ذي القعدة 1418هـ

الموافق لـ: 19 مارس 1998 م

1-التفريعات للجرجاني: (111) .

2-أخرجه أحمد (11422) ، وابن حبان (3414) ، والحاكم (143) ، وأبو يعلى في مسنده (1327) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (844) ، وفي غاية المرام (463) .

3-تفسير القرطبي: (6/184) .

4-عارضة الأحوذي لابن العربي: (6/80) .

5-تحفة الأحوذي للمباركفوري: (4/565) .

6-المغني لابن قدامة: (3/219) ، (9/77-278) .

7-تفسير القرطبي: (6/183) .

8-مجموع الفتاوى (29/258) .

9-المصدر السابق، الجزء والصفحة نفسها.

10-الزواجر للهيتمي: (630) .

11-أخرجه البخاري في الإيمان (10) ، وأبو داود في الجهاد (2483) ، والنسائي في الإيمان وشرائعه (5013) ، وأحمد (6671) ، والحميدي في مسنده (623) ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت