فهرس الكتاب

الصفحة 481 من 995

الفتوى رقم: 896

السؤال:

أجبر والدٌ ابنتَه -وهي كارهةٌ على الزواج- من رجلٍ لا ترغب فيه زوجًا، وقد دفع كُلَّ المهر، فهل هذا الزواج صحيح؟ وهل للمرأة حقٌّ في ردِّ هذا الزواج؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فلا يجوز للوليِّ إجبارُ وليَّته البِكر البالغة العاقلة على الزواج، على الراجح من قولي العلماء، وهو مذهب الأحناف ورواية عن أحمد، وهو اختيار ابن تيمية رحمهم الله، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: « أَنَّ جَارِيةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَجَّهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ » (1) ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « لاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ » (2) ، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « البِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا » (3) ، وأصل ذلك أنَّ تصرف الولي في بُضْع وليتِهِ كتصرفِه في مالها، وإذا كان لا يجوز أن يتصرفَ في مالها إذا كانت رشيدةً إلاَّ بإذنها فإنّه أحرى أن لا يجوز أن يتصرفَ في بُضعها مع امتناعها وكراهيتها ورشدها؛ لأنَّ بُضْعَها أعظمُ من مالها.

ومن جهةٍ أخرى فإنَّ المرأة قد شُرِعَ لها الخُلْعُ للخلاص من الزوجِ الذي تكرهه فكيف يجوز تزويجها له ابتداءً؟

قال ابن تيمية رحمه الله: « وأمَّا تزويجها مع كراهتها للنكاح فهذا مخالفٌ للأصول والعقول، والله لم يُسوِّغ لوليِّها أن يُكْرِهَهَا على بيع أو إجارة إلاَّ باذنها، ولا على طعامٍ أو شرابٍ أو لباسٍ لا تريده، فكيف يُكرهُها على مباضعة ومعاشرةِ من تكره مُباضَعَتَهُ، ومعاشرةِ من تكره معاشرتَه؟ واللهُ قد جعل بين الزوجين مودَّةً ورحمةً، فإذا كان لا يحصل إلاَّ مع بغضها له ونفورها عنه فأيُّ مودَّةٍ ورحمةٍ في ذلك » (4) .

ومردُّ الاختلاف في هذه المسألة يرجع إلى مناط الإجبار: هل هو الصغر أم البكارة؟ والأحاديث ترجِّح الصغر، وكذا القياس والمعقول.

هذا، وإذا زوَّجها وليُّها بغير إذنها فإنَّ العقد قابلٌ للإبطال موقوفٌ على إجازتها له أو إلغائها، فإن أجازته فيصير العقدُ صحيحًا، لا يحتاج إلى استئنافه من جديد، أمَّا إذا أبطلته وصرَّحتْ بذلك فلا يصحُّ العقدُ بغير إذنها، فإن رضيت به بعد ذلك فلابُدَّ لها من استئناف العقد من جديد.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 25 ربيع الثاني 1429ه

الموافق ل: 01 ماي 2008م

1-أخرجه أبو داود في «سننه » كتاب النكاح، باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها: (2096) ، وابن ماجه في «سننه » كتاب النكاح، باب من زوج ابنته وهي كارهة: (1875) ، وأحمد في «مسنده » : (2465) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث صححه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد » : (4/155) ، والألباني في «صحيح أبي داود » : (2096) .

2-أخرجه البخاري في «صحيحه » كتاب النكاح، باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها: (4843) ، ومسلم في «صحيحه » كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت: (3473) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

3-أخرجه مسلم في «صحيحه » كتاب النكاح، باب استيذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت: (3478) ، والبيهقي في «السنن الكبرى » : (13441) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

4-مجموع الفتاوى لابن تيمية: 32/25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت