الفتوى رقم: 200
السؤال: امرأة زوجها مفقود، وذلك منذ خمس سنوات والزوجة الآن عند والدها الذي يتكفل بها منذ أربع سنوات، نرجو منكم توضيح ما يلي:
1.هل يجب على الزوجة عدة ؟
2.هل الأفضل لها أن تنتظره مع عدم وجود ما يرجح حياته؟
3.هل ترثه إن تزوجت غيره؟
4.إن تزوجت غيره ثمّ ظهر أنّه حي، كيف الحكم في ذلك؟
بارك الله لكم شيخنا في أوقاتكم وأعمالكم وسدد خطاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين أمّا بعد:
فاعلم أنّ من حق زوجة المفقود أن تصبر وتنتظر ولا تطلب التفريق حتى يتبين حال زوجها من حيث حياته أو موته، كما لها الحق في الأخذ بمبدأ التفريق لفوات الإمساك بمعروف بسبب غيبة الزوج وفقدانه فتعين التسريح بإحسان إن طلبته الزوجة لأنّه حقها لقوله تعالى: ?الطَلاَقُ مَرَّتَان فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أو تَسْرِيحٌ بإِحْسَان? [البقرة: 229] ، وللقاضي الحكم للغائب عند اقتضاء المصلحة الشرعية، وقد قضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالتفريق بين المرأة وزوجها المفقود وبه قال جماعة من الصحابة كعلي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وغيرهم، وبه قضى ابن الزبير ولم ينقل خلاف في ذلك.
أمّا الأحاديث الواردة في"أنّها امرأته حتى يأتيها البيان" (1) فرواية ضعيفة لا تصلح للاحتجاج، وقد نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنّه قال:"هي امرأته ابتليت فلتصبر حتى يستبين موت أو طلاق"، فمرسل وقد جاء من المسند ما يعارضه وهو الموافق لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القول بالتفريق لفقدان الزوج، ولا يخفى أنّ من قواعد الترجيح من جهة السند تقديم الخبر المسند على المرسل.
ومن جهة أخرى فإنّ غيبة المفقود تسبب لزوجته ضررا مؤكدا لكون فقدانه يفوت على الزوجة أغراض الزواج، والضرر يزال عملا بقوله صلى الله عليه وسلم"لا ضرر ولاضرار" (2) ، فيدفع قبل الوقوع ويرفع بعده، وإذا كان تشريع الإيلاء والتفريق للإنفاق أو لعدم الإنفاق على الزوجة أو لعنة الزوج لدفع الضرر عنها فالتفريق لفقد الزوج أحق وأولى بالأخذ، ولها الخيار بين الحقين السابقين، والأفضل أن ترجح ما يدفع عنها الضرر ويحقق لها مصلحتها.
هذا، ومدة التربص أربع سنوات مع اختلاف في ابتدائها فقيل أنّها تبدأ من حين انقطاع خبر الزوج المفقود لأنّ الانقطاع ظاهر في موته فكانت ابتداء المدة منه ولا يفتقر الأمر إلى الحاكم فلو مضت المدة والعدة تزوجت بلا حاكم وهي الرواية الثانية للحنابلة وبها قال ابن تيمية كما في الاختيارات. وعندي أنّ بداية التربص من حين قرار الحاكم لضبط القضايا والأحكام، ولكون تاريخ مراجعة الزوجة للقاضي ثابتا ومحددا ولا مجال فيه للاجتهاد والاختلاف مع العلم أنّ للقاضي تحديد بدء المدة من أيام أعمال التحري والتفتيش على المفقود، ولأنّ الثابت عن عمر رضي الله عنه أنّه أمر زوجة من فقدت زوجها أن تتربص أربع سنوات من حين رفع أمرها إلى الحاكم.
هذا وبعد مضي المدة المذكورة فإنّ الزوجة تعتد عدة الوفاة إذا لم تتيقن حياته، لأنّ المفقود بعد مضي المدة في حكم الميت، وقد تتقرر هذا الحكم قضائيا، وفي مدة التربص نفقتها من مال زوجها لأنّها لاتزال زوجته المحبوسة من أجله، وأمواله تابعة للحكم بموته وتقسم بين الورثة وهي منهم، فإن ظهر حيا أخذ ما بقي من أمواله بأيدي الورثة، وإن كانت عودته قبل مضي تربص الزوجة أو قبل عدتها فإنّها زوجته لأنّ التفريق لم يقع، فإن انتهى أجلها وعدتها قبل تزوجها من آخر فتبقى امرأته، لأنّه إذا أبيح لها الزواج فذلك محمول على الحكم بموته فإذا ظهر حيا بطل ذلك الظاهر وانخرم وكان النكاح بحاله، أمّا إذا كانت عودة الزوج المفقود بعد أن تزوجت فإمّا أن يكون قد دخل بها الزوج الثاني أم لا؟ فإن كان قبل الدخول ترد إلى زوجها الأول بنكاحها الأول كما لم تتزوج لأنّ النكاح إنّما صح في الظاهر دون الباطن فلما ظهر المفقود فإنّ النكاح صادف امرأة ذات زوج فكان باطلا.
وإن كانت عودته بعد الدخول فله التخيير بين أخذها فتكون زوجته بالعقد الأول لأنّ نكاح الثاني كان باطلا في الباطن، ويجب على زوجها الأول اعتزالها حتى تقضي عدتها من الثاني، وبين أخذ صداقها فتكون زوجة الثاني، ويرجع بالصداق الذي أصدقها هو، فإن لم يدفع إليها صداقا فلا يرجع بشيء وهذا الحكم مذهب عمر وعثمان رضي الله عنهما وقضى به ابن الزبير رضي الله عنه ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا، على أنّ الزوجة إن عادت إلى الأول فلا يرجع الثاني على الزوجة بما أخذ منه وهو أظهر القولين قضاء الصحابة للثاني بالرجوع.
والعلم عند الله تعالى وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّ اللّهم على محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلّم تسليما.
1-أخرجه الدارقطني (ص:412) ، وعنه الديلمي (1/1/219) ، والبيهقي (15973) ، من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. قال الألباني في السلسلة الضعيفة: ضعيف جدا. حديث رقم (2931) .
2-أخرجه ابن ماجه في الأحكام (2340) ، وأحمد (1/313) من حديث ابن عباس رضي الله عنه الله عنهما، والحديث صححه الألباني في إرواء الغليل (3/408) رقم896 وفي السلسلة الصحيحة رقم250 وفي غاية المرام (68) .