فهرس الكتاب

الصفحة 678 من 995

الفتوى رقم: 1

السؤال: نرجو من شيخنا أبي عبد المعز -حفظه الله ونفع به- أن يتفضل بالإجابة على السؤال الآتي: اتفق شخص (وهو على قيد الحياة) مع أولاده ذكورا و إناثا على السواء على قسمة أرض يملكها، فهل تتم هذه القسمة على أساس الميراث، أم على أساس التساوي في العطية؟

أفيدونا مما أفادكم الله، وجزاكم الله خيرا.

الجواب: الحمد لله ربّ العالمين و الصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

فإنّ التسوية في العطية المطلوبة شرعا بين الذكور والإناث التي يتحقق بها العدل هي أن يعطي الذكر ضعف قدر ما يعطى للأنثى على حسب قسمة المواريث، وبهذا قال عطاء وشريح و إسحاق بن محمد ومحمد بن الحسن الشيباني وهو مذهب الحنابلة وبه قال ابن تيمية رحمهم الله، وخالف في ذلك مالك والشافعي وابن مبارك وأبو يوسف وأهل الظاهر وغيرهم فجعلوا التسوية في مقدار العطية أن تعطى للأنثى بقدر ما يعطى للذكر، لأنّها عطية في الحياة فاستوى فيها الذكر و الأنثى كالنفقة و الكسوة، كما استدلوا بظاهر الأمر بالتسوية الوارد في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم لبشير بن سعد:"أيسرك أن يستووا في بِرِّكَ قال: نعم، قال: فسوِّ بينهم" (1) والبنت كالابن في استحقاق برّها فكذلك في عطيتها، و بحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله عليه و سلم"سوّوا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء" (2) ولأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل على أولاد بشير بن سعد أكلهم ذكور أو فيهم أنثى؟ و ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزّلُ منزلة العموم في المقال كما هو مقرر في القواعد ).

والجواب: أنّ المولى عزَّ وجل قسمَ المواريث بين الذكور و الإناث للذكر مثل حظ الأنثيين، وتفضيل الذكر في قسمة المواريث فلزيادة حاجته، إذ المهر والنفقة عن الزوجة والأولاد إنما هي على الذكر. والأنثى لها ذلك كله، و هذا المعنى موجود في العطية سواءً باعتبار الحال أو المآل وغير موجود في الكسوة والنفقة، وعطية الوالد لولده إذا كانت في الحياة هي إحدى حالتي العطية، فينبغي أن لا تختلف عن الأخرى وهي حالة الموت، الأولى وقسمة لله تعالى وردهم إلى فرائضهم وسهامه، أما حديث النعمان فلم يرد ما يدل على حال أولاده و لعل النبي صلى الله عليه و سلم علم أنه ليس له إلا الذكور، و على تقدير العموم في تركه للاستفصال فإن الاحتجاج به على التسوية في نفس العطية لا يصلح لاحتمال أن المراد بالتسوية في أصل العطاء لا في صفته، لذلك تحمل التسوية الواردة في حديث النعمان على القسمة على كتاب الله تعالى و هي صفة العطاء، أمّا حديث ابن عباس -رضي الله عنهما - فلا يتمّ الاحتجاج بالشطر الثاني منه لكونه ضعيفا وهو محل الشاهد لأنّ في إسناده سعيد بن يوسف متفق على تضعيفه، وذكر ابن عدي في"الكامل"أنّه لم يُر له أنكر من هذا الحديث. هذا وإن كان الحافظ حسّن إسناده إلاّ أنه ضعف ابن يوسف هذا في تقريبه، لذلك قال الألباني معقبا عليه: (ومنه تعلم أن قول ابن حجر في الفتح"إسناده حسن"غير حسن) وأضاف قائلا: (ثمّ وجدت الحديث قد رواه أبو محمد الجوهري في الفوائد المنتقاة و عند ابن عساكر من طريق الأوزاعي قال حدثني يحي بن أبي كثير قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكره، و هذا إسناد معضل، و هذا هو أصل الحديث، فإنّ الأوزاعي ثقة ثبت، فمخالفة سعيد بن يوسف إياه إنما هو من الأدلة على وهنه و ضعفه) (3) .

وعليه فالواجب العدل في عطية الأولاد على حسب ميراثهم و هو ما كان عليه الأمر في العهود المفضلة قال عطاء: (ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى ) و هذا خبر عن جميعهم، وفي هذا حجة على أنهم كانوا يعطون الذكر مثل حظ الأنثيين، وجاء عن شُريح أنه قال لرجل قسم ماله بين أولاده: (رُدوهم إلى سهام الله تعالى وفرائضه) والله أعلم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلّم تسليما.

الجزائر في 15 ذو الحجة 1417ه

الموافق ل: 22 أفريل 1997م

1-رواه مسلم، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة.

2-أخرجه البيهقي (12357) ،وابن عدي في الكامل (178/2) ، والخطيب في تاريخ بغداد (11/108) ، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة: (1/347) ، وإرواء الغليل: (6/67) .

3-سلسلة الأحاديث الضعيفة: (1/347) ، وإرواء الغليل: (6/67) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت