الفتوى رقم: 787
السؤال:
إذا أقامت النساءُ جماعةً لوحدهنَّ، فهل تبقى أفضليةُ الصف الأخير في حقهنَّ قائمة؟ أم يصبح الصفُّ الأول فاضلًا؟
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فالحديثُ الوارد في بيان صفوفِ النساءِ أنَّ خَيْرَهَا آخرُها لكثرة الثواب والفضلِ والبعدِ عن مخالطة الرجال، وذُمَّ أوَّلها لعكس، ذلك فإنَّ الظاهرَ منه بقاءُ عمومِه إذا صَلَّيْنَ مع الرِّجال سواء مع وجود حائلٍ يُفصلُ بين النساء والرجال أو مع انعدامه.
أمَّا إذا صَلَّيْنَ لوحدهنَّ متميِّزاتٍ من غير وجود الرجال معهنَّ، فإنَّ خيريةَ الصفوفِ من شرِّها تأتي موافِقةً للرجال في الحُكم ومطابقةً لهم من حيث كثرةُ ثوابِ الصفوف الأولى وقِلة فضل الأخيرة، ويَدلُّ على أنَّ الخيريةَ والأفضليةَ لا تخرج عن الصفوف الأولى كون المرأة إذا أَمَّتِ النساءَ تقوم بَينهُنَّ في وسطهن من الصف الأول، ثمّ تليها الصفوف الأخرى من جهة الثواب والأفضلية، وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها «أَنَّهَا أَمَّّتْ نِسْوَةً فِي المَكْتُوبَةِ فَأَمَّتْهُنَّ بَيْنَهُنَّ وَسَطًا » (1) ، وكذلك أُمُّ سلمةَ رضي الله عنها في صلاة العصر قامت بينهنَّ (2) .
قال النووي -رحمه الله-: « أَمَّا صفوفُ الرِّجال فهي على عمومها فخيرها أولها أبدًا وشرُّها آخرها أبدًا، أمَّا صفوفُ النساء فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يُصلِّينَ مع الرِّجال، وأمَّا إذا صَلَّينَ متميِّزات لا مع الرجال فهنَّ كالرجال خير صفوفهنَّ أوَّلها وشرُّها آخرها. والمراد بشرِّ الصفوف في الرجال والنساء أقلّها ثوابًا وفضلًا وأبعدها من مطلوب الشرع، وخيرها بعكسه، وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهِنَّ من مخالطة الرجال ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس ذلك » (3) .
قلت: ومعنى تعليل النووي بأنَّ شرَّ صفوف النساء فلأجل قُربهنَّ من الرجال على وجه المخالطة والفتنة، وهذا التعليل -وإن كانت له وجاهته- إلاَّ أنّه قد يعكِّر عليه عدم سدِّه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لذريعة المخالطة والفتنة في المسجد بوضع حائل يفصل بين صفوف الرجال والنساء قطعًا للمخالطة والفتنة، ولما كان النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قد أَدَّى أمانة الدعوة والتبليغ خير أداء، وقام بواجب نصح الأُمّة أتمَّ القيام فلم يترك أمرًا من أمور الدين صغيرًا كان أو كبيرًا إلاّ بلغه لأمته، قال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ? [المائدة: 67] .
وعليه، فإنّ هذه المسألة لا تخرج عن أمرين:
-إمَّا أن يكون النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم رأى مصلحةً غالبةً في عدم وضع حائلٍ فاصلٍ بين الذكور والإناث على مفسدة المخالطة والفتنة.
-وإمّا أن يكون ورد الحكم تعبّدًا لحكمة يعلمها الله تعالى، وغابت عن عقولنا القاصرة.
والأسلم في ذلك العمل بالنصّ الوارد في خير صفوف الرجال وشرّ صفوف النساء إذا صلين مع الرجال مطلقًا سواء بوجود حائل فاصل أو مع عدم وجوده. بخلاف ما إذا صلين متميّزات لوحدهنّ فإنّ حكمَ صفوفهنّ كصفوف الرجال.
والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا.
الجزائر في 18 شعبان 1426ه
الموافقل: 2 أكتوبر 2005م
1-أخرجه الحاكم في «المستدرك » : (731) ، والبيهقي في «السنن الكبرى » : (5393) ، وابن أبي شيبة في «المصنف » : (4945) ، وعبد الرزاق في «المصنف » : (5083) .
2-أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف » : (4944) ، وعبد الرزاق في «المصنف » : (5079) ، والأثران صححهما النووي في «الخلاصة » : (2/679) ، ووافقه الزيلعي في «نصب الراية » : (2/31) ، وسكت عنهما الحافظ في «تلخيص الحبير » : (2/90-91) ، وقواهما الألباني في «تمام المنة » : (153) .
3- «شرح مسلم » للنووي: (4/159-160) .