فهرس الكتاب

الصفحة 725 من 995

الفتوى رقم: 90

السؤال: ويتعلق بمسألة البيوع، ومضمونه:

أنّ رجلين الأول زيد و الثاني عمرو، اكترى الأول حانوتا للمواد الغذائية وطلب من الثاني أن يشاركه في ذلك بماله وبدنه تناصفًا، شاء الله تعالى أن يطلب الثاني الخروج من الشركة لأنّه وجد مشروعا آخر، على كلّ حال وافق الأول، إلاّ أنّ عمرا عرض على زيد -وهو الرجل الأول- أن يقبل طرفا آخر يدخل مكانه، وافق زيد بشرط أن يمهل خالدا مدة أسبوع يراجع فيها نفسه.

بعد انقضاء المدة وافق خالد على المشاركة ببدنه مع شطر ماله، موضع الإشكال هنا هو أنّ زيدا بعد مرور مدة زمنية من الاشتراك مع خالد طلب زيد من خالد أن يخلي له الحانوت ويتفرقا لأسباب منها ضعف المدخول.

السؤال هو: من الذي يحقّ له البقاء في الحانوت زيد أم خالد و بأيّ حجّة ؟

الشطر الثاني من السؤال أنّه وقع الانفصال فعلا وبقي زيد في الحانوت بحجّة أنّه أول من اكترى الحانوت وأنّ خالدا إنّما دخل بعد مرور مدة زمنية من وجود زيد في الحانوت ثمّ نصيحتكم فيمن قاطع أخاه لهذه المشكلة (أعني بالمقاطعة أنّه لا يسلّم عليه ولا يبتسم في وجهه)

أفتونا مأجورين -حفظكم الله- مع إيراد الأدلة على ذلك ونرجوا -حفظكم الله- أن يكون الجواب كتابيا.

الجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

فإنّ الشركة عقد جائز لا لازم يمكن فسخه في أي وقت ولذلك لا يلزم بيان مدّته وإذا بينت فالمسلمون على شروطهم ما لم يظهر من هذه الشركة ما يتنافى مع مقصود العقد كما علل زيد بضعف الربح وقلته، ولذلك يعود المتعاقدان بعد النسخ إلى ما كان عليه أمرهما قبل التعاقد، و قد كان زيد قبل التعاقد مع خالد يحوز الدّكان فهو أولى به وإذا اتجر فيه خالد بعد إبطال العقد وفسخه فليس له سوى أجرة مثله، وما كان من ربح أو خسارة فهي على صاحب الدّكان، لأنّ العامل أجير والأجير لا يضمن إلاّ بالتعدي.

هذا وإذا تبين لهذا الأخ الحق فلا يحلّ له الإعراض عنه ومعاندة الحق الظاهر والغضب للنفس والانتصار لها بالباطل فيجفو أخاه المسلم ويقاطعه ويعرض عنه ويدابره على أمر دنيوي فإنّ هذا من سوء الخلق وفساد القلب ولم يرخص الشرع الهجران للدنيا إلاّ في ثلاثة أيام يدع فيها نوازع الكبر والغضب والخصومة لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (1) ثمّ ليعلم أنّ عاقبة التمادي في الشحناء والتدابر وتقطيع أواصر الأخوة هو الحرمان من مغفرة الله تعالى ورحمته، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعا:"تفتح أبواب الجنّة يوم الإثنين والخميس فيغفر الله عزّ وجلّ لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا، إلاّ رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقول: أنظروا هذين حتّى يصطلحا، أنظروا هذين حتّى يصطلحا، أنظروا هذين حتّى يصطلحا" (2) فإنّ الدنيا أهون على الله والمسلم من أن تفضي إلى هذه العاقبة.

والله أعلم وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وعلى آله وصحبه.

1-أخرجه البخاري كتاب الاستئذان باب السلام للمعرفة وغير المعرفة (6237) ، ومسلم كتاب البر والصلة والآداب (6697) من حديث أبي أيوب رضي الله عنه.

2-أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب (6709) ، وأبو داود كتاب الأدب باب فيمن يهجر أخاه المسلم (4918) ، والترمذي كتاب البر والصلة باب ما جاء في المتهاجرين (2155) ،والبخاري في الأدب المفرد باب الشحناء، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت