الفتوى رقم: 707
السؤال:
هل يجب على من طَلَّقَ زوجَتَهُ وهي حائض -ثمَّ علم بأنَّ ذلك منهيٌّ عنه- أن يراجعها، ثمّ يطلقها بعد أن تطهر؟ وإن كان لا يجب فمتى تبدأ عِدَّتها؟ وبارك الله فيكم.
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فالطلاقُ البدعيُّ منهيٌّ عنه وفاعلُه آثِمٌ، وحُكمُه الوقوعُ، وهو مذهبُ جمهورِ السَّلفِ والخَلَفِ، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ » (1) ، والمراجعةُ إنما تكون من طلاقٍ قد وقعَ، ويُؤيّدُه حديثُ ابنِ عمرَ رضي اللهُ عنهما: « أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً » (2) .
والأمرُ بالمراجعةِ في حديثِ ابنِ عمرَ رضي اللهُ عنهما محمولٌ على الوجوبِ، وهو مذهبُ مالكٍ وأصحابِه، والأصحُّ عند الحنفيةِ، وبه قال داودُ الظاهريُّ؛ لأنَّ «الأَصْلَ فِي الأَمْرِ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ القَرَائِنِ أَفَادَ الوُجُوبَ » من جهة، وبه يحسم الإثم بحسم أثره وهو العِدَّة، ويُدفع ضررُه بتطويل مدّة العِدّة من جهة أخرى، خلافًا لِمَنْ حَمَل الأمرَ على الاستحبابِ، وهو مذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ في المشهورِ عنه؛ لأنهم لم يختلفوا أنها إذا انقضت عِدّتُها لم يؤمر برجعتها، كما علَّلوا بأنه طلاقٌ لا يَرتفع بالرجعة، ولا يزيل الزوج بالرجعة المعنى الذي حرم الطلاق، لذلك لم تجب عليه الرجعة وإنما يستحبّ.
وعليه، فإن راجعها وجوبًا فإنه يستحبُّ له أن يمسكها حتى تحيضَ حيضةً أُخرى ثمّ تطهر -أي ينتظر أن تطهُرَ المرأةُ طُهرين- بعد الحيضة التي طلّقها فيها حتى يَسَعُهُ أن يطلّقها إن رغب في ذلك، وهذا إنما هو من باب الاستحباب، ويجوز له -جمعًا بين الأدلة- إذا راجعها أن يُمْسِكَهَا حتى تطهُر بعد الحيضة التي طلّقها ليحلّ له طلاقُها بعدها لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَإِذَا طَهُرَتْ فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا (3) ، ويؤيّده حديثُ: « مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا » (4) .
وإذا طلّقها في طُهْرٍ لم يمسَّها فيه تعتدّ إن كانت من ذوات الحيض بثلاث حيضات، تبدأ الحيضة الأولى منه بعد الطلاق، أمّا على مذهب من استحبّ له الرجعة ولم يوجبها عليه فإنّ الحيضة التي وقع فيها الطلاق لا تحتسب من العدّة؛ لأنّ الحيضة لا تتبعّض وإنما تعتدّ بالحيضة التي تليها.
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 2 جمادى الثانية 1428ه
الموافق ل: 18 جوان 2007م
1-أخرجه البخاري في «الطلاق » : (4953) ، ومسلم في «الطلاق » ، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها: (3652) ، وأبو داود في «الطلاق » ، باب في طلاق السنة: (2179) ، والنسائي في «الطلاق » ، باب وقت الطلاق للعدة التي أمر الله: (3390) ، وأحمد: (5299) ، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
2-أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى » : (15181) ، والطيالسي في «مسنده » : (68) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. والحديث صححه الألباني في «الإرواء » : (7/126) .
3-أخرجه البخاري في «الطلاق » ، باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق: (4958) ، ومسلم في «الطلاق » ، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها: (3657) ، وأحمد: (5248) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
4-أخرجه مسلم في «الطلاق » ، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها: (3659) ، والترمذي في «الطلاق » ، باب ما جاء في طلاق السنة: (1176) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.