الفتوى رقم: 883
السؤال:
ما هي أفضل كيفيات صلاة الخوف؟
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فأمَّا صلاةُ الخوفِ فإنما تُشرع في كلِّ قتالٍ واجبٍ أو جائزٍ شرعًا، لقوله تعالى: ?وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا? [النساء: 102] .
ولصلاة الخوف كيفيات وصور متعددة تجزئ فيها كل صلاة، مع أنَّ العلماء يختلفون في الأفضلية، ويمكن تقسيمها إلى صلاة الخوف العادي أو الطبيعي وصلاةِ الخوف الشديد.
فأمَّا الثاني فصورته أنه إذا اشتدَّ الخوفُ والتحمت الصفوف للمبارزة والقتال كان على كلِّ واحدٍ أن يُصلي على قدر استطاعته سواء راكبًا أو راجلًا مستقبلًا القِبلة أو غير مستقبل لها، وله أن يُومِئَ بالركوع والسجود، وما عجز عنه فهو ساقطٌ عنه، وهذه الصورة ثابتةٌ في البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (1) .
أمَّا إذا كان الخوف عاديًّا ولم يشتدَّ فللصلاة كيفيات كثيرة بلغت سبعة عشر، وأصولها ست صفات على ما ذكره ابنُ القيم رحمه الله، وسبب ذلك يرجع إلى اختلاف الرواة في القصة المورودة عن النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، ومِن أهل العلم من يجعل هذه الكيفيات ضمن قسمين: الأول أن يكون العدوُّ في غير جهة القبلة، والثاني أن يكون العدو في جهتها.
هذا، وما دام العلماء يختلفون في الأفضلية، فإنه يمكن الاقتصار على كيفيةٍ واحدةٍ في حال قَصْرِ الصلاة، وهي أن يُصلِّيَ الإمامُ بكلِّ طائفةٍ صلاةَ قَصْرٍ كاملة ويُسلِّم بها، فتكون الركعتان الأُولَيتَان له فرضًا والركعتان الأخريتان له نفلًا، لجواز اقتداء المفترض بالمتنفل بناءً على أنَّ تبايُنَ النِّيةِ مع الإمام جائزٌ واختلافَ نِيَّتِهما لا يضرُّ، وهذه صفةٌ حَسَنَةٌ كما وصفها ابنُ قُدَامة المقدسي، وقليلةُ الكُلفة، ولا يحتاج فيها إلى مفارقة الإمام، ويدلُّ عليها حديثُ أبي بكرة رضي الله عنه قال: « صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَوْفٍ الظُهْرَ فَصَفَّ بَعْضَهُمْ خَلْفَهُ وَبَعْضُهُمْ بِإِزَاءِ العَدُوِّ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلّوا مَعَهُ فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلّوا خَلْفَهُ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَكَانَتْ لِرَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعًا وَلأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ » (2) .
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 11 ربيع الثاني 1429ه
الموافق ل: 17/04/2008م
1-أخرجه البخاري في «صحيحه » كتاب التفسير، باب فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ: (4261) ، ومسلم في «صحيحه » كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف: (1944) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
2-أخرجه أبو داود في «سننه » كتاب الصلاة، باب من قال يصلي بكلِّ طائفة ركعتين: (1248) ، والنسائي في «سننه » كتاب الإمامة، باب اختلاف نية الإمام والمأموم: (836) ، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. والحديث حسَّنه النووي في «الخلاصة » : (2/699) ، وصحَّحه الزيلعي في «نصب الراية » : (2/246) ، والألباني في «صحيح أبي داود » : (1248) .