الفتوى رقم: 440
السؤال: أنا رجل أعمل عند أخ له محل للمواد الغذائية العامة، وفي بعض الأحيان نبيع سلعا لبعض البنوك المجاورة للمحل، وفي أخرى نضطر لأن نقرض لهم بعض السلع بدون عقد على أي وثيقة، فما حكم هذه المعاملة؟
الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فإنَّ ما تمليه القواعد الشرعية العامة: أنَّ حيازة الأموال بلا سبب مشروع معدود من أكل أموال الناس بالباطل، فإنَّ تحقق العلم بأنَّ الكسب حرام وجب اجتنابه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ما في الوجود من الأموال المغصوبة والمقبوضة بعقود لا تباح بالقبض إن عرفه المسلم اجتنبه" (1) والمعامل يستوي بآخذ المال الحرام، ذلك لأنَّ المكتسب سبب الحرام وسيلة الكسب المحرم ، والمعامل سبب الحرام التعامل في ملك الغير بغير إذنه، ذلك لأنَّ الله إذا حرم شيئا حرَّم ثمنه، والتعامل معه إقرار على الكسب الحرام وإعانة له وتشجيع على فعل المنهي عنه، الأمر الذي يجعل المتعامل شريكًا في الإثم والمؤاخذة، لأنَّ الإعانة على المعصية معصية، وهذا القول شامل للمرابي والغاصب والسارق وغيرهم، بعد حصول العلم ووقوعه بالكسب المحرم -كما تقدم- ويدل على ذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم:« نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِىِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ" (2) ، فالنهي الوارد في الحديث غير قاصر على الآخذ بل يشمل الأخذ ابتداءً والإبقاء انتهاءً، فهو حرام على حائزه فيمتنع الانتفاع به، وحرام على من عامله به لعموم العلة واتحادها، وهي حرمة المال المكتسب، وعليه فهو كسب خبيث يجب التصدق به، ولا يُرد إلى الدافع لأنه دفعه باختياره في مقابل عوض لا يمكِّن صاحب العوض استرجاعه، وهو اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى، وقد أخرج البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:"كَانَ لأَبِى بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ الْغُلاَمُ تَدْرِى مَا هَذَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمَا هُوَ قَالَ كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ، إِلاَّ أَنِّى خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ. فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيءٍ فِي بَطْنِهِ" (3) قال ابن حجر:"والذي يظهر أنّ أبا بكر إنّما قاء لما ثبت عنده من النهي عن حلوان الكاهن" (4) ، هذا، وأمّا ما اكتسبه عن طريق تعامله قبل حصوله العلم فإنه ينتفع به لقوله تعالى: ?فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ? [البقرة: 275] "
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.
الجزائر في:2 جمادى الأولى 1427ه
الموافق ل: 29 مايو 2006م
1-مجموع الفتاوى لابن تيمية (29/323) .
2-أخرجه البخاري في البيوع (2237) ، ومسلم في المساقاة (4092) ، وأبو داود في الإجارة (3430) ، والترمذي في النكاح (1162) ، والنسائي في الصيد والذبائح (4309) ، وابن ماجه في التجارات (2243) ، ومالك في الموطإ (1359) ، وأحمد (17535) ، من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.
3-أخرجه البخاري في فضائل الأنصار (3842) ، والبيهقي (11860) ، من حديث عائشة رضي الله عنه.
4-فتح الباري لابن حجر: 7/154.