فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 995

الفتوى رقم: 951

السؤال:

هل يُشرع للنوافل التي ليس لها جماعة الإسرار بالقراءة أو الجهر بها؟ وما حكم قراءة المرأة فيها؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فأهل العلم يفرِّقون بين النوافل النهارية التي لا يشرع لها عقد جماعة، والنوافل الليلية:

فأمَّا النوافل النهارية فعلى أرجح المذاهب أنه يستحب الإسرار بالقراءة فيها ولا يجب، والجهر بها خلاف الأَوْلى، وهو أحد قولي المالكية والأصح عند الشافعية (1) ، وقد استدلُّوا على مذهبهم بحديث: «صَلاَةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» (2) على عموم استحباب الإسرار في الفرائض والنوافل النهارية التي لا تعقد لها جماعة وذلك لعجميتها، بحيث لا تسمع فيها قراءة، وهذا الاستدلال -وإن كان لا يتم لعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم- إلاَّ أنَّ إلحاق نوافل النهار بفرائض النهار ألصق قياسًا؛ ذلك لأنَّ الحكم فيها إذا كان واحدًا فإنَّ «ما ثبت في الفرض يثبت في النفل» من غير تفريقٍ إلاَّ ما استثناه الدليل، ولم يرد ما يفرِّق.

وأمَّا نوافل الليل فللمُتَنفِّل الخيار بين الجهر والإسرار فيها، و «لا يلزم من التخيير التسوية بينهما» ، ويكون الجهر فيها أفضل إذا كان جالبًا للنشاط وفائدة المراجعة والحفظ، ويكون الإسرار أفضل إذا ترتَّب في جهره بالقراءة مفسدة التشويش على مصلٍّ آخر، أو التعكير على باحثٍ بالجهر، أو إيقاظ نائم ونحو ذلك، وهو مذهب الجمهور، ويدلُّ عليه ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: «كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ يَرْفَعُ طَوْرًا وَيَخْفِضُ طَوْرًا» (3) ، وقد سُئلت عائشةُ رضي الله عنها عن قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالليل؟ فقالت: «كُلُّ ذلك كان يفعل، ربما أسرَّ بالقراءة، وربما جهر» (4) ، ويدلُّ على أنَّ الإسرار في القراءة بالليل أفضل إذا كان سببًا في ترتُّب مفسدةٍ عليه ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر، وقال: «أَلاَ إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلاَ يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلاَ يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ في القِرَاءَةِ» أو قال: «في الصَّلاَةِ» (5) .

وحكم المرأة في القراءة بالإسرار والجهر يستوي مع الرجل، سواء فرضًا أو نفلًا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» (6) ، أي في الأحكام، ويستثنى فيها حالة ما إذا كان صوتها بالجهر يسمعه الرجال الأجانب فإنها تخفضه ولا ترفعه، وتُسِرُّ به ولا تجهر للقراءة في الفرض والنفل احترازًا من الافتتان.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 26 شوال 1429ه

الموافق ل: 25 أكتوبر 2008م

1- «الشرح الكبير» للدردير، و «حاشية الدسوقي» عليه: (1/313) ، «شرح منح الجليل» لعليش: (1/205) ، «المجموع» للنووي: (3/391) ، «مغني المحتاج» للشربيني: (1/162) ، «الإنصاف» للمرداوي: (2/57) ، «الفروع» لابن مفلح: (1/566) .

2-قال النووي في «الخلاصة» (1/394) : «باطل لا أصل له» ، وقال الزيلعي في «نصب الراية» (2/6) : «قلت: غريب، ورواه عبد الرزاق في «مصنفه» من قول مجاهد . وأبي عبيدة...».

3-أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الصلاة، باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل (1328) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال الألباني في «المشكاة» (1/377) : «بإسناد ضعيف، لكن معناه صحيح، فإن له شاهدًا من حديث عائشة، أخرجه مسلم» .

4-أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له: (705) ، وأبو داود في «سننه» كتاب الصلاة، باب في وقت الوتر: (1437) ، باب ما جاء في قراءة الليل: (449) ، والنسائي في «سننه» كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب كيف القراءة بالليل: (1662) ، وأحمد في «مسنده» : (24497) ، من حديث عائشة رضي الله عنها.

5-أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الصلاة، باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل: (1332) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. والحديث صححه ابن عبد البر في «التمهيد» : (23/318) ، والألباني في «السلسلة الصحيحة» : (4/129) .

6-أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الطهارة، باب في الرجل يجد البلة في منامه (236) ، والترمذي في «سننه» كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء فيمن يستيقظ فيرى بللا ولا يذكر (113) ، وأحمد في «مسنده» : (25663) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» : (818) ، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» (2333) ، وفي «السلسلة الصحيحة» (2863) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت