فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 995

الفتوى رقم: 835

السؤال:

ما هو الحدُّ الأدنى المجزئُ للمبيت في مِنًى؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فالمبيتُ بِمِنًى أيام التشريق واجبٌ على أرجح قَوْلَيِ العلماء، وبه قال الجمهورُ من المالكية والشافعية وهو المشهور عند الحنابلة، لفِعله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وقد قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « خُذُوا عَنِّي منَاسِكَكُمْ » (1) ، ولأنه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم رخَّص للعبَّاس أن يبيت بمكةَّ ليالَ مِنًى (2) من أجل السِّقاية، ورخَّص -أيضًا- لرُعاة الإبل أن يبيتوا خارجَ مِنًى (3) ، والمعلومُ أنَّ الرخصةَ لا تكون إلاَّ عن عزيمةٍ، قال الحافظُ ابنُ حجر: « والحديثُ دليلٌ على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحجِّ؛ لأنَّ التعبيرَ بالرخصة يقتضي أنَّ مقابلها عزيمةٌ، وأنَّ الإذنَ وقع للعِلَّة المذكورة، وإذا لم توجد أو ما في معناها لم يحصل الإذن » (4) .

والواجبُ في المبيت بِمِنًى معظمُ الليل، وهو أدنى ثُلُثَيِ الليلِ، إمَّا من أَوَّله أو من آخِره، ولو قُدِّر أنَّ زمنَ الليلِ كله اثنتا عشرة ساعة فأقلُّ ما يجزئُ فيه المبيت سبعُ ساعات، أمَّا بقيةُ الليل فليس بواجبٍ ولا شرطًا في المبيت؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « كَانَ يَزُورُ البَيْتَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي مِنًى » (5) .

هذا، فإن ترك مبيت الليالي الثلاث لغير عُذر فعليه دَمٌ عند الأئمَّة الثلاثة، أمَّا إن ترك مبيت ليلة أو ليلتين فيلزمه التصدقُ بأقلِّ ما يُسمَّى صدقةً عن كُلِّ ليلةٍ فيما دون الثلاث؛ لأنَّ الليلة ليست نُسُكًا بمفردها خلافًا للمالكية (6) .

أمّا من ترك المبيت في مِنًى لعُذْرٍ سواء كان العذر لأمرٍ عامٍّ أو خاصٍّ فلا شيءَ عليه على الصحيح من أقوال العلماء، وبه قال ابنُ عباس رضي الله عنهما؛ لأنَّ «النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِرُعَاءِ الإِبِلِ فِي البَيْتُوتَةِ، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الغَدِ بِيَوْمَيْنِ، وَيَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ » (7) .

قلت: والذي يتأخَّر به الطوافُ بالبيت حتى يمضي عليه مُعظمُ الليلِ أو فاته الليلُ كلُّه لمشقَّةِ العودة إلى مِنًى أو لازدحام المواصلات أو لسبب إسعاف غيره والحاجةُ إليه قائمةٌ، فإنَّ هذه الأعذارَ وغيرَها مشمولةٌ بالرخصة.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 22 المحرم 1429ه

الموافق ل: 29/01/2008م

1-أخرجه مسلم في «الحج » ، باب حجة النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: (2950) ، والدارمي في «سننه » : (1854) ، وابن خزيمة في «صحيحه » : (2784) ، من حديث جابر بن عبد الله عنهما.

2-أخرجه البخاري في «الحج » ، باب سقاية الحاج: (1634) ، ومسلم في «الحج » ،باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق والترخيص في تركه لأهل السقاية: (3177) ، وأبو داود في «المناسك » ، باب يبيت بمكة ليالي منى: (1959) ، وابن ماجه في «المناسك » ، باب البيتوتة بمكة ليالي منى: (3065) ، وأحمد في «مسنده » : (4717) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

3-أخرجه أبو داود في «المناسك » ، باب في رمي الجمار: (1975) ، والترمذي في «الحج » ، باب ما جاء في الرخصة للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما: (955) ، والدارمي في «سننه » : (1834) ، والحاكم في «المستدرك » : (1759) ، وأحمد في «مسنده » : (23264) ، من حديث عاصم بن عدي رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في «الإرواء » : (1080) .

4- «فتح الباري » لابن حجر: (3/579) .

5-أخرجه الطبراني في «الكبير » : (12/205) ، وفي «الأوسط » : (6/197) ، والبيهقي في «السنن الكبرى » : (9742) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة » : (804) .

6-فعند المالكية أنَّ من ترك المبيت بمنى لغير عذر وجب عليه دم كلّ ليلة من لياليها كاملة أو جلها. [انظر: « الكافي » لابن عبر البر: (145) ] .

7-سبق تخريجه، انظر الهامش رقم (4) .

8- «المجموع » للنووي: (8/248) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت