فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 995

الفتوى رقم: 838

السؤال:

عزمتُ على الزواج من امرأةٍ مُطلَّقةٍ لها بنتٌ، والذي دفعني إلى ذلك كونُها على دِينٍ وخُلُق، ولأني أَوَدُّ جَبْرَ كَسْرِهَا ومواساتها في مصيبتها، لكني وجدتُ معارضةً من أبويَّ تمسُّكًا بالعُرف السائد، فأودُّ من شيخنا أن يرشدَنا بكلمةٍ توجيهيةٍ تكون مفتاحَ خيرٍ ينشرح لها صدرُ الوالدين، وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فعلى المسلمِ أن يتحرَّى في اختياره الزوجةَ الصالحةَ صاحبةَ دِينٍ وخُلُق، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ » (1) ، وأن تكون ممَّن تحفَظ مالَه، وتصون عِرضَهُ، وترعى حالَه، وتحنو على ولده، وترضى باليسير، وتترك التبذيرَ والإسرافَ في الإنفاق، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ » (2) .

هذا، والأفضلُ في اختيار الزوجةِ أن تكون بِكْرًا، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِاليَسِيرِ » (4) ، وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال له رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « فَهَلاَّ بِكْرًا تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ » (5) ، غير أنه إن وَجَدَ في الثَّيِّبِ مَزِيَّةً على البِكْرِ في التمسُّكِ بدينِها، والخِبرة في حسن معاملتها للزوج، والصبر على خدمته، فكان اختيار الثَّيِّب للزواج أفضل، وقد صَوَّبَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم تعليل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حيث قال: « إِنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ » ، فقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « بَارَكَ اللهُ لَكَ -أَوْ خَيْرًا- » (6) .

هذا، وإذا انصرف اختيارُ العاقلِ للثَّيِّب للمقاييس السابقة فلا ينبغي أن يُهْمَلَ اختيارُه ويُمنَع من الثَّيِّب إن رغب فيها سواء من الوالدين أو غيرهما، خاصَّة إن وجد في الثَّيِّب معونةً له على دِينه ومساندةً له على راحته فيواسيها في مصيبتها بالزواج ويتكفَّل بالربِيبة ليحقِّق قولَه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا. وأشار إلى السبابة والوسطى » (7) . ولا ينبغي للعُرْفِ السائدِ أن يكون صادًّا عمَّا شَرعه اللهُ للناس إذ لم يُفَرِّقِ الشرعُ من حيث الصلاحُ والدِّين بين البِكر والثيِّب، فمَنْ يتحلَّى بهما منهنَّ كان الأَوْلَى والأفضل، لعموم قولِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « مَنْ رَزَقَهُ اللهُ امْرَأَةً صَالِحَةً فَقَدْ أَعَانَهُ عَلَى شَطْرِ دِينِهِ فَلْيَتَّقِ اللهَ فِي الشَّطْرِ البَاقِي » (8 ) .

فاللهَ نَسألُ أن يوفِّقكم لأسباب السعادة في الدُّنيا والآخرة، ويبعد عنكم أسبابَ الشَّقاء وعواملَ الفساد، وأن يجمع كلمةَ والديكم على الخير وعلى صِحَّة اختياركم.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 27 المحرم 1424ه

الموافق ل: 04/02/2008م

1-أخرجه البخاري في «النكاح » ، باب الأكفاء في الدين: (4802) ، ومسلم في «الرضاع » ، باب استحباب نكاح ذات الدين: (3708) ، وأبو داود في «النكاح » ، باب ما يؤمر به من تزويج ذات الدين: (2047) ، والنسائي في «النكاح » ، باب كراهية تزويج الزناة: (3230) ، وابن ماجه في «النكاح » ، باب تزويج ذات الدين: (1858) ، وأحمد في «مسنده » : (9769) ، والدارمي في «سننه » : (2225) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

2-أخرجه ابن حبان في «صحيحه » : (1228) ، وأحمد في «مسنده » : (12948) ، والطبراني في «الأوسط » : (1/1/163) ، وسعيد بن منصور في «سننه » : (490) ، والبيهقي في «السنن الكبرى » : (13858) ، من حديث أنس رضي الله عنه. وأخرجه أبو داود في «النكاح » : (2050) ، والنسائي في «النكاح » : (3227) ، والمحاملي في «الأمالي » : (21) ، من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه، والحديث حسنه الهيثمي في «مجمع الزوائد » : (4/474) ، وصححه ابن حجر في «فتح الباري » : (13/293) ، والألباني في «الإرواء » : (1784) ، وفي «آداب الزفاف » (ص:132) .

3-أخرجه البخاري في «النفقات » ، باب حفظ المرأة زوجها في ذات يده والنفقة: (5050) ، ومسلم في «فضائل الصحابة » ، باب من فضائل نساء قريش: (6456) ، وأحمد في «مسنده » : (9505) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

4-أخرجه ابن ماجه في «النكاح » ، باب تزويج الأبكار: (1861) ، والبيهقي في «السنن الكبرى » : (13758) ، والطبراني في «المعجم الأوسط » : (1/144) ، من حديث عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري عن أبيه عن جده مرفوعا، والحديث حسنه الألباني في «السلسلة الصحيحة » : (623) .

5-أخرجه البخاري في «النكاح » ، باب تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة: (4949) ، ومسلم في «الرضاع » ، باب استحباب نكاح البكر: (3637) ، وأحمد في «مسنده » : (13894) ، والطيالسي في «مسنده » ، واللفظ له: (1/237) ، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

6-أخرجه البخاري في «النفقات » ، باب عون المرأة زوجها في ولده: (5052) ، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

7-أخرجه البخاري في «الأدب » باب فضل من يعول يتيمًا: (5659) ، وأبو داود في «الأدب » باب في من ضمّ اليتيم: (5150) ، والترمذي في «البر والصلة » باب ما جاء في رحمة اليتيم وكفالته: (1918) ، وابن حبان في «صحيحه » : (460) ، وأبو يعلى في «مسنده » : (7553) ، والبيهقي في «السنن الكبرى » : (12930) ، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.

8-أخرجه الحاكم في «المستدرك » ، (2/175) ، والطبراني في «المعجم الأوسط » : (1/294) ، والبيهقي في «شعب الإيمان » : (4/383) ، من حديث أنس رضي الله عنه. والحديث حسنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب » : (1916) .

9-أخرجه مسلم في «الرضاع » ، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة: (3649) ، وابن ماجه في «النكاح » ، باب أفضل النساء: (1855) ، من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت