فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 995

الفتوى رقم: 131

السؤال: إنّ زوجي لا يقدر مسؤولية الحياة الزوجية التي على عاتقه حق المقدرة، مهملا أولاده، مقصرا في النفقة، بل تكاد تنعدم، ويظل طيلة وقته حبيس المقاهي والقمار ونحو ذلك إلى غاية منتصف الليل، ويتغافل عن وجودي معه كزوجة وأمّ لأولاده، ولم أجد من سلاح ما أواجه به هذا الموقف سوى الفراش، فأصبحت أنام على البلاط وينام هو على السرير وبعد مضي أزيد من ربع قرن معه أصبحت لا أطيق العيش معه في هذه الحياة الزوجية، فالرجاء أن تقدموا لي نصيحة ترفع من معنوياتي.

وما هو الموقف الذي يمليه عليّ الشرع باعتباري زوجته؟. -جزاكم الله خيرا-

الجواب: الحمد لله ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمّد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وبعد:

فاعلمي أنّ الزوج الذي لا يقوم بكفاية زوجته أو تَركَها بدون النفقة الواجبة بالكتاب والسنة والإجماع، أي أنّه لا يوفر ما تحتاج إليه من طعام ومسكن وخدمة ودواء وما إلى ذلك -وإن كانت غنية- فلها أحد الأمرين:

-إمّا أن تطلب من القاضي إلزام الزوج بالدفع ويجبره متى تحققت صحة دعواها.

-وإمّا أن تأخذ من ماله ما يكفيها وأولادها بالمعروف إن كانت رشيدة تحسن التقدير من غير إسراف في الأخذ وإن لم يعلم الزوج إذ لها الحق فيما هو واجب عليه، تأخذ حقها بيدها إن قدرت عليه، ويدلّ على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة -رضي الله عنها-قالت:"إنّ هندا قالت: يا رسول الله إنّ أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلاّ ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال:"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (1) ."

ويجدر التنبيه إلى أنّها تستحق النفقة بشرط أن تسلم نفسها إلى زوجها وأن تمكنه من الاستمتاع بها، أمّا إذا امتنعت ونامت لوحدها أو ابتعدت عنه كلما طلبها فهي آثمة من جهة وغير مستحقة للنفقة من جهة أخرى وذلك لانتفاء سبب الاحتباس، وقد تزوج النبي صلى الله عليه و سلّم عائشة-رضي الله عنها - وبنى بها بعد سنتين ولم يلتزم نفقتها لما سبق إلا من حين دخل بها غير أنّ نفقة الأولاد الصغار تبقى قائمةعلى ذمة الزوج.

هذا ثمّ اعلمي أنّ ما تعانيه مع زوجك هو غيض من فيض داخل هذا المجتمع إذ أنّ أكثر الأزواج غافلون عن أمور دينهم و مقصرون في أعمالهم والنّاس يختلفون في أخلاقهم وأمزجتهم، والكيس الفطن في مثل هذه المواقف أن يؤدي حقوق زوجه الواجبة عليه وطاعته في المعروف والاستعانة -بعد الله تعالى- بمن يسمع له ويؤثر فيه من أقاربه ورجال حيّه ليقوموه على ما فيه من اعوجاج وانحراف ثمّ يعمل على تحصيل المودة و الرحمة و تحقيق السعادة باتخاذ سبيل الفوز والنجاح المتمثل في الاحتمال والصبر والعفو والصفح على ما أرشد به الله تعالى في العديد من الآيات قال الله تعالى: ?فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره? [البقرة: 109] ، وقال عزّ وجل ?ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه ولي حميم وما يلقاها إلاّ الذين صبروا وما يلقاها إلاّ ذو حظ عظيم? [فصلت: 34] ، وقال أيضا ?وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربّك بصيرا? [الفرقان: 20] ، وفي آية أخرى قال عزّوجل: ?ولمن صبر وغفر إنّ ذلك لمن عزم الأمور? [الشورى: 43] .

ولعلّ في هذه الآيات البينات ما يرفع المعنويات، وينبغي إخلاص صبرها لله حتى تنال الأجر والثواب قال تعالى: ?والذين صبروا ابتغاء وجه ربّهم? [الرعد: 22] . فإنّ العسر سبب الكرب وكلا منهما مفتقر إلى الصبر وثمرات تحمله النصر والفرج واليسر قال صلى الله عليه وسلم:"واعلم أنّ النصر مع الصبر وأنّ الفرج مع الكرب وأنّ مع العسر يسرا" (2) .

كلّ ذلك من فضل رحمته قال سبحانه: ?سيجعل الله بعد عسر يسرا? [الطلاق: 7] ، وقال: ?إنّ مع العسر يسرا إنّ مع العسر يسرا? [الشرح: 5 - 6] .

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليما.

الجزائر في:3 رمضان 1417ه

الموافق ل:14 جانفي 1997م

1-أخرجه البخاري كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف (5364) ، ومسلم كتاب الأقضية، (4574) ، وأبو داود، كتاب الإجارة، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده (3534) ، والنسائي في كتاب آداب القضاة، باب قضاء الحاكم على الغائب إذا عرفه (5437) ، وابن ماجة: كتاب التجارات، باب ما للمرأة من مال زوجها (2381) ، وأحمد (7/60رقم 23597) من حديث عائشة رضي الله عنها.

2-أخرجه أحمد (1/307) ، والضياء في المختارة (59/199-200) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2382) وفي ظلال الجنة في تخريج السنة (315) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت