الفتوى رقم: 441
السؤال: لي ابن مصاب بشلل مخي منذ الشهر السابع من ولادته سنة، وعمره الآن ثلاث سنوات ونصف، ومنذ ذلك الوقت وهو طريح الفراش حيث إنّه لا يعرف كيفية الحبو ولا الجلوس بمفرده، ولا يستطيع الوقوف على قدميه، بل لا يعرف حتى كيفية ابتلاع الشيء الذي نضعه في فمه من أكل وشرب ودواء، وقد راجعت الكثير من الأطباء الذين صرحوا لي بأنّ حالة ابني تستدعي العلاج مدة طويلة قد تصل إلى مدى الحياة وحينها سطروا برنامجا علاجيا قصد المحافظة على نمو الجسم والهيكل العظمي، وكذا تطور الجهاز العصبي، وهذا بإجراء حصص علاجية تتضمن التدليك الخارجي للأعضاء بالطرق الطبية والمعالجة بالمياه المعدنية، وكذا استعمال الأدوية المضادة للصرع، وكلّ هذا يتم في المستشفى الذي يبعد عن المدينة التي أقطنها بعشرات الكيلومترات حيث أضطر إلى اصطحابه إلى هذه الأخيرة مرتين على الأقل في الأسبوع مستعملا في هذا وسائل النقل المتوفرة، وبالفعل بدأت بتنفيذ هذا البرنامج منذ ما يقارب الثلاث سنوات، لأنّ أيَّ توقف أو تغيب عن الحصص العلاجية يؤثر على مستقبل شفاء ابني حيث يعرضه لتشوهات واعوجاج على مستوى الهيكل العظمي، ولكثرة المصاريف أصطحبه لوحده دون والدته، وهو في هذه السنّ أحمله على كتفي ذهابا وإيابا، متنقلا بين البيت والمحطات والمستشفى حيث يصل وزنه إلى 15 كيلوغرام، وهو يزيد يوما بعد يوم حيث أصبحت أعاني من ثقل حمله، ناهيك عن المشاكل التي أصادفها أثناء السفر من طول انتظار وازدحام رهيب بين المسافرين وعدم توفر وسائل النقل في بعض الأحيان كما لا أنسى أن أذكر مدى غبني و تعبي عندما لا تكون الأحوال الجوية في صالحي أنا وابني، فهل يجوز لي أن أقترض مبلغا ماليا من البنك مقابل دفع فوائد ربوية قصد شراء سيارة أُقِلُّ فيها ابني ووالدته للعلاج بين مختلف الأطباء والمستشفيات؟
الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فإنَّه إذا خاف على ابنه الهلاك أو التلف عن النفس وتحرَّج بذلك، ولم يجد وسيلة يدفع بها حرجه ومشقته، لا بإعانة ذويه وجيرانه وإخوانه، ولا بتكفل جهة طبية بابنه، أو جهة حكومية، ولا استطاع أن يصل إلى قرض حسن وبقيت سوى الوسيلة المحرمة ليدفع بها الضرر قدر الإمكان واضطر إليها، جاز له دفع ضرورته بإزالة الضرر اللاحق بابنه أو التخفيف عنه، لأنَّ المحافظة على النفس من أعظم الواجبات الشرعية التي يستوجب إباحة المحظورات عند وقوع الإنسان في حالة الضرورة، قال تعالى: ?وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيما? [النساء: 29] وقال تعالى: ?وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ? [البقرة: 195] وعليه فلا حرام مع الضرورة ، ولكن ليس له أن يتوسع في الممنوع، بل يقتصر على قدر ما تندفع به ضرورته لقوله تعالى: ?فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ? [البقرة: 173] وهذه الآية غير مقصورة على المحرمات من الأطعمة بل هي شاملة لكلّ ما يتحقق الاضطرار إليه لأجل الحياة ودفعًا للهلاك إذا لم يعارضه ما يساويه مفسدة أو أقوى منه.
هذا، وفي كلِّ الأحوال، فالمرء موكول لدينه في تقدير حقيقة الضرورة والحرج الشديد، وفي عدم وجود الطرق المباحة في دفعها.
نسأل الله تعالى أن يشفي مريضكم، ويرده إليكم سالمًا معافى، كما نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية في الدنيا والآخرة، والصدق في القول والعمل، والثبات على الحق والدين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.
الجزائر في: 2 جمادى الأولى 1427ه
الموافق ل:29 مايو 2006م