الفتوى رقم: 935
السؤال:
فضيلة الشيخ، ذكرتم في حديث القدرة أنَّ ظاهر الحديث غيرُ مرادٍ، وأنه قضية عين جزئية لا تنتهض في نقض الكُليات التي تقضي بعدم العذر بالجهل في مسائل أصول الإيمان والتوحيد، غير أنه قد أشكل علي شكُّ الحواريين في قُدرة الله تعالى في إنزال مائدة من السماء، وشكِّهم في صدق رسالة عيسى بن مريم عليه السلام، حيث قال الله تعالى مبيِّنًا حوار الحواريين مع نبيِّهم: ?إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ? [المائدة: 113] ، فالرجاء التفضُّل بإيضاح هذه المسألة المستشكلة عليّ؟ وجزاكم الله خيرًا.
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
ففيما أخبر الله تعالى عن الحواريِّين في قوله: ?هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ? فإنَّ ما عليه الجمهور من المفسِّرين أنَّ الحواريين لم يحدث لهم شكٌّ في قدرة الله تعالى، حتى يُعذَروا، وإنما هو تلطّف في العبارة والسؤال، وأدب مع الله تعالى. ووجه تقدير سؤالهم على حالتين:
الحالة الأولى: على قراءة علي وعائشة وابن عباسٍ ومعاذٍ بنِ جبل رضي الله عنهم، وجماعة من التابعين كمجاهد وسعد بن جبير وغيرِهم: «هل تستطيع» بالتاء، «ربَّك» بنصب الباء، فيكون المعنى: هل تستطيع أن تدعو ربَّك وتسألَه أن يُنَزِّل مائدةً من السماء، وهي قراءة الكسائي، فلم يكن الحواريون شاكِّين أنَّ الله تعالى قادر أن يُنَزِّل عليهم ذلك، وإنما قالوا ذلك لعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام (1) .
الحالة الثانية: وعلى قراءة الباقين: «هل يستطيع ربُّك» ، فإنَّ تقدير معنى السؤال الفِعل والإجابة، وهذا مشهورٌ في كلام العرب، وهذا مثل قول الرجل لغيره، هل يستطيع فلان أن يأتي أو يساعدني، وقد علمت أنه يستطيع، فيكون المعنى: هل يفعل ذلك؟ وهل يجيبني إلى ذلك؟ (2) . وذكر ابن تيمية في معرض بيان الاستطاعة الكونية القدرية والمقارنة للفعل التي هي مناط القضاء والقدر، حيث قال: «وكذلك قول الحواريين» : ?هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ? إنما استفهموا عن هذه القدرة، وكذلك ظنّ يونس أن لن نقدر عليه، أي: فسّر بالقدرة، كما يقال للرجل: هل تقدر أن تفعل كذا؟ أي: هل تفعله؟ وهو مشهور في كلام الناس» (3) .
أمَّا المقصود من العلم في قوله تعالى مخبرًا عنهم: ?وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا? [المائدة: 113] ، فلم يشكوا في صدق رسالة نبيِّهم صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وإنما حصل لهم علم اليقين بالدليل والخبر فأرادوا علم معاينة ونظر في آية حسية تطمئنُّ قلوبهم بمشاهدتها ويزدادوا إيمانًا ويقينًا بالمعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة، فأرادوا الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين، على مثال ما سأل إبراهيم عليه السلام ربَّه، قال تعالى: ?رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي? [البقرة: 260] ، والمعلوم أنّ العرب تضع الرؤية مكان العلم، والعلم مكان الرؤية (4) .
فعلى مذهب الجمهور -إذن- أنَّ الحواريين لم يشكوا في قُدرة الله تعالى ولا في صدق نُبوَّة رسولهم صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وإنما سألوا آية حِسيةً تقوِّي إيمانهم، ويزدادوا بها يقينًا وصدقًا خالصًا من شوائب الخواطر والهواجس النفسية.
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى ترجيح الشكِّ في قدرة الله تعالى، والشكِّ في صدق رسالة نبيِّهم عليه الصلاة والسلام، وذلك في أول معرفتهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله تعالى، وفي شكّهم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء كُفر، لذلك استتابهم ودعاهم إلى الإيمان به وبرسوله حيث قال: ?اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ? [المائدة: 112] ، وهو الذي رجَّحه الطبري وقوَّاه (5) .
قلت: وإن كان الصحيح من التفسيرين المذهب الأول؛ لأنَّ السؤال عن استطاعته ينافي ما حكوه عن أنفسهم بقولهم: ?قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ? [المائدة: 111] ، إلاَّ أنه ليس في كِلا التفسيرين السابقين أدنى مسكة في الاحتجاج بالآية في العذر بالجهل والشكّ في مسائل التوحيد وأصول الإيمان؛ لأنَّ الجمهور على عدم الشكِّ، وغيرهم على الاستتابة وعدمِ الإعذار به.
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 20 جمادى الثانية 1429ه
الموافق 24 جوان 2008م
1-انظر: «تفسير الطبري» : (7/129) ، «تفسير البغوي» (2/77) ، «تفسير القرطبي» (6/264) ، «تفسير ابن كثير» : (6/112) ، «فتح القدير» للشوكاني: (2/92) .
2-المصادر التفسيرية السابقة.
3- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (8/374) .
4-العرب تضع العلم مكان الرؤية، مثل قوله تعالى في تحويل القبلة: ?إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ? [البقرة: 143] ، معنى لنعلم: لنرى. وتضع الرؤية مكان العلم كقوله تعالى: ?أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ? [الفيل: 1] ، بمعنى: ألم تعلم. [انظر: «تفسير القرطبي» : (2/156) ] .
5- «تفسير الطبري» : (7/130) .