فهرس الكتاب

الصفحة 942 من 995

الفتوى رقم: 943

السؤال:

فقد ذكرتم في الصفحة [158] من «الفتح المأمول» تعليقًا على المصنِّف الذي قَصَرَ صلاحيةَ الاستدلالِ بخبر الواحد على الأحكام، فأضفتم إليه العقائد، فهل تثبت العقيدة بظني الثبوت؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فاعلم أنَّ السلف الصالحَ أجمعوا على أَنَّ خبرَ الواحد حُجَّةٌ في الأحكام والعقائد، فلو كان أيُّ دليلٍ قطعيٍّ يُثبت أنَّ العقيدة لا يجوز إقرارُها بالاستناد

إلى خبرِ الواحد -كما يزعمون- لصرَّح الصحابة رضي الله عنهم بذلك، بل بالعكس عملوا بالأدلة الموجِبة للعمل بخبر الواحد عامَّة مُطلقة مِن غير تفريقٍ بين الأحكام والعقائد، ولا بين مختلف الأبواب والمسائل؛ لأنها لم تُقَيَّدْ بمسألةٍ أو شرطٍ، والتفريقُ بينهما قولٌ مُحْدَثٌ لا أصلَ له في الشريعة، ولم يعرفه الصحابة رضي الله عنهم ولا أحدٌ من التابعين، ولا نُقِلَ عن أحدٍ من أئمَّة الإسلام والدِّين، وإنما هو معروفٌ عن رؤوس أهل البدع ومَن تبعهم، ثمَّ إنَّ القول بقصر خبر الواحد على الأحكام باطلٌ من جهة أنَّ الحكم الشرعي -في حَدِّ ذاته- كما يجب اتباعه والأخذ به يجب اعتقاده -أيضًا- إذ يجب اعتقادُ وجوبِ الواجبات وحُرمة المحرَّمات، واستحبابِ المستحبَّات، وكراهةِ المكروهات، وإباحةِ المباحات، وهذا أصلٌ من أصول الدِّين، إذ مَن أنكر حُكمًا شرعيًّا معلومًا من الدِّين بالضرورة كفر كفرًا مخرجًا من الملة، فثبتت بدعيةُ هذا القول في قصر حُجِّية خبرِ الواحد على الأحكام دون العقائد، وهو مردودٌ بنصِّ قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (1- متفق عليه: أخرجه البخاري في «صحيحه» في الصلح، باب إذا اصطلحوا على صُلح جَوْرٍ فالصلح مردود:(2550) ، ومسلم في «صحيحه» كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور: (4492) ، من حديث عائشة رضي الله عنها.)، وقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ» (2- أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب السنة، باب في لزوم السنة:(4607) ، والترمذي في «سننه» كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع: (2676) ، وابن ماجه في «سننه» باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين: (42) ، وأحمد في «مسنده» : (17608) ، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، والحديث صححه ابن الملقن في «البدر المنير» : (9/582) ، وابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» : (1/136) ، والألباني في «السلسلة الصحيحة» : (2735) ، وشعيب الأرناؤوط في «تحقيقه لمسند أحمد» : (4/126) ، وحسَّنه الوادعي في «الصحيح المسند» : (938) .).

قال ابنُ عبد البرِّ -رحمه الله-: «ليس في الاعتقاد كُلِّه في صفات الله وأسمائه إلاَّ ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صَحَّ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أو أجمعت عليه الأُمَّة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كُلِّه أو نحوه يُسلَّم له ولا يناظر فيه» (3- «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر:(2/96) .).

هذا، والمعلوم أنَّ العقيدة هي من أوليات دعوة الرسل، وقد كان النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يبعث آحاد الصحابة رضي الله عنهم إلى مختلف الأمصار والبلدان ليُعَلِّموا الناسَ دِينَهم، وبالدرجة الأولى التوحيد، فقد قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لمعاذ رضي الله عنه: «إِنَّكَ تَقْدُمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّل مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ الله (4- أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة:(1389) ، ومسلم في «صحيحه» كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام: (123) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.)، -وفي رواية- فَادْعُهُمْ إِلَى شَّهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهِ..» الحديث (5- أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام:(121) ، وأبو داود في «سننه» كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة: (1584) ، والترمذي في «سننه» كاب الزكاة، باب ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة: (625) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.)، وقد اكتفى صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بإرسال معاذٍ لوحده، وكذلك فَعَلَ مع عليٍّ وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم في نوبات مختلفةٍ، فكان دليلًا صريحًا على أنَّ العقيدة تَثبُتُ بخبر الواحد كما تثبت في الأحكام بلا تفريقٍ.

قال ابن القيم -رحمه الله-: «وأمَّا المقام الثامن: وهو انعقادُ الإجماع المعلوم المتيقَّن على قَبول هذه الأحاديث وإثبات صفات الرب تعالى بها، فهذا لا يَشُكُّ فيه مَنْ له أقلُّ خِبرة بالمنقول، فإنَّ الصحابة هم الذين رَوَوْا هذه الأحاديثَ، وتلقَّاها بعضُهم عن بعضٍ بالقَبول، ولم يُنكرها أحدٌ منهم على مَن رواها، ثمَّ تلقَّاها عنهم جميعُ التابعين مِنْ أَوَّلهم إلى آخرهم، ومَن سمعها منهم تلقَّاها بالقَبول والتصديق لهم، ومن لم يسمعها منهم تلقَّاها عن التابعين كذلك، وكذلك تابِعُوا التابعين مع التابعين، وهذا أمرٌ يعلمه ضرورةً أهلُ الحديث كما يعلمون عدالةَ الصحابة وصِدقَهم وأمانتَهم ونقلَهم ذلك عن نبيِّهم صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كنقلهم الوضوء والغُسل من الجنابة، وأعدادَ الصلوات وأوقاتها، ونقلَ الأذان والتشهُّد، والجمعة والعيدين، فإنَّ الذين نقلوا هذا هُمُ الذين نقلوا أحاديثَ الصِّفات، فإِنْ جاز عليهم الخطأُ والكذبُ في نقلها جاز عليهم ذلك في نقل غيرها ممَّا ذكرناه، وحينئذٍ فلا وُثُوقَ لنا بشيءٍ نُقِلَ عن نبيِّنا صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وهذا انسلاخٌ من الدِّين والعلم والعقل» (6- «مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم» باختصار الموصلي:(502) .).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 2 رمضان 1429ه

الموافق ل: 2 سبتمبر 2008م

1-متفق عليه: أخرجه البخاري في «صحيحه» في الصلح، باب إذا اصطلحوا على صُلح جَوْرٍ فالصلح مردود: (2550) ، ومسلم في «صحيحه» كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور: (4492) ، من حديث عائشة رضي الله عنها.

2-أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب السنة، باب في لزوم السنة: (4607) ، والترمذي في «سننه» كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع: (2676) ، وابن ماجه في «سننه» باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين: (42) ، وأحمد في «مسنده» : (17608) ، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، والحديث صححه ابن الملقن في «البدر المنير» : (9/582) ، وابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» : (1/136) ، والألباني في «السلسلة الصحيحة» : (2735) ، وشعيب الأرناؤوط في «تحقيقه لمسند أحمد» : (4/126) ، وحسَّنه الوادعي في «الصحيح المسند» : (938) .

3- «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر: (2/96) .

4-أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة: (1389) ، ومسلم في «صحيحه» كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام: (123) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

5-أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام: (121) ، وأبو داود في «سننه» كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة: (1584) ، والترمذي في «سننه» كاب الزكاة، باب ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة: (625) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

6- «مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم» باختصار الموصلي: (502) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت