الفتوى رقم: 648
السؤال:
أعملُ بسيارتي سائقَ أجرةٍ أسترزقُ بها, بدون ترخيصٍ من الدولة بما يسمى (فرُودْ) لظروف اجتماعية، فهل كسبي حرامٌ بدون ترخيص؟ أفيدونا بالحكم.
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فالأصلُ في الأشياءِ والأعيانِ المنتَفَعِ بها ومختلَفِ المكاسِبِ وأنواعِ التجاراتِ والعقودِ والشروطِ الحِلُّ والإباحةُ، ولا تحريمَ فيها إلاّ ما ثَبَتَ فيه الدليلُ على تحريمه، لقوله تعالى: ?هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا? [البقرة: 29] ، وقولِه تعالى: ?أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً? [لقمان: 20] ، وقولِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « الحَلاَلُ مَا أَحَلَّهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَمِمَّا عَفَا عَنْهُ » (1) ، ولذلك كان التحليلُ والتحريمُ حقًّا لله تعالى وحدَه يحكمُ ما يشاء، قال تعالى: ?وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا? [الكهف: 26] ، وقال تعالى: ?قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ? [يونس: 59] ، وقال تعالى: ?وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ? [النحل: 116] .
أمّا تصرُّفات الولاةِ والعمال والحكام فَمَنُوطَةٌ بالمصلحة، وعامّة تصرُّفاتهم إنما تكون ملزمةً على العامّة والرعيةِ إذا كانت مبنيةً على مصلحة الجماعة، ومعلّقةَ القصدِ على خيرها، برعاية خير التدابير لإقامة العدلِ وإزالةِ الظلمِ وإحقاقِ الحقِّ، وصيانةِ الأخلاق، والحِرْصِ على الأموال العامّة ورعايتِها وإنفاقِها في وجوه الخير ومنافعِ المسلمين؛ لأنّ «مَنْزِلَةَ الإِمَامِ مِنَ الرَّعِيَّةِ مَنْزِلَةُ الوَلِيِّ مِنَ اليَتِيمِ » كما أُثِرَ ذلك عن الإمام الشافعيِّ (2) ، ومُسْتَنَدُهُ قولُ عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه: « إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ مَالِ اللهِ بِمَنْزِلَةِ وَالِي اليَتِيمِ، إِنِ احْتَجْتُ أَخَذْتُ مِنْهُ، فَإِذَا أَيْسَرْتُ رَدَدْتُهُ، فَإِذَا اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ » (3) .
وعليه، فإن كان تصرّف الولاة بفرض ترخيص على سيارات الأجرة محقّقًا لهذا المعنى بحماية الزبائن من جَشَعِ التُّجار، وذلك بتقييدهم بعدّاد لا يرهقون به الزَّبُونَ ولا يُظْلَمُ فيه صاحبُ السيارةِ، كان تصرّفًا صحيحًا نافذًا شرعًا؛ لأنه تحقيقٌ للعدل، إذ «لاَ يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ أَحَدٍ إِلاَّ بِحَقٍّ ثَابِتٍ مَعْرُوفٍ » ، وما لم يكن محقّقًا للمصلحة العامّة ولا مبنيًّا على المقاصد الشرعية لم يكن تصرّفهم صحيحًا ولا نافذًا على نحو ما بيّناه في فتوى سابقة موسومة بعنوان: « في الاعتدادِ بِحُكمِ الحاكمِ في رفع الخلاف » (4- رقم الفتوى: 457) .
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 4 صفر 1428ه
الموافق ل: 22 فيفري 2007م
1-أخرجه الترمذي في «اللباس » : (1830) ، وابن ماجه في «الأطعمة » : (3492) ، والبيهقي: (19873) ، من حديث سلمان رضي الله عنه. وصححه الألباني في «صحيح الجامع » : (3195) .
2-انظر المنثور للزركشي: (1/183) .
3-أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى » : (11164) ، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه. وصححه ابن كثير في «إرشاد الفقيه » : (2/51) ، وفي «تفسير القرآن العظيم » : (2/190) .
4-رقم الفتوى: 457.