الفتوى رقم: 800
السؤال:
إذا تُوُفِّيَت المرأةُ قبلَ الدخول، هل يبقى المهرُ عند أهل الزوجة أم يسترجعه زوجُها؟
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فالزوجةُ إذا تُوُفِّيَتْ قبل الدخول لَزِمَ الزوجَ كامل المهر من موتها كحقٍّ عليه، وله ميراثها، لِما أخرجه أهلُ السنن وأحمدُ وغيرُه: « أَنَّ امرأةً تَزَوَّجَها رجلٌ ومات عليها، ولم يَفرِض لها صَدَاقًا، ولم يكن دخل بها، قال عبد الله ابن مسعود:« أرى لها مهرَ نسائِها، ولها الميراث، وعليها العدّة » ، فشهد معقل بن سنان الأشجعي أنّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قضى في بَرْوَعَ بنت واشقِِِ (1) بِمِثلِ ما قضى به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه » (2) . وهذا ما يدلُّ على أنّ الموت يجب به المهر سواء مات أحد الزوجين أو كلاهما، وهي تستحقُّه كاملًا، سواء مهر المِثل، أو المهرُ المسمَّى (3) ؛ لأنَّ حديث بَرْوَع بنتِ واشق الذي مات عنها زوجها قبل الدخول يدلُّ على استحقاقها مهرَ مثلها في طبقتها، مع العلم بعدم تسمية مهرها، إذ لو كان بالطلاق لَم يلزم فيه سوى المُتعة، لقوله تعالى: ?لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ? [البقرة: 236] ، فاستحقاقُ ذلك لمن سَمَّى لها مهرًا من بابٍ أَوْلى، عَمَلًا بفحوى الخطاب، ولا معارضةَ بين حديث بَروَع بنت واشق والآية السابقة وقوله تعالى: ?وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ? [البقرة: 237] ؛ لأنَّ الآيتين وردتَا في خصوص الطلاق، والحديث صحَّ في الموت، ويَتَعذَّر قياسُ الموتِ على الطلاق لفساد الاعتبار، بالنظر لوقوعه في مقابلة النصِّ، أمّا حديث بَروَع بنتِ واشق يدلُّ من جهةٍ أخرى على وجوب الميراث بين الزوجين، وهذا مِمَّا لا نزاع فيه، فالزوجةُ كما تدخل تحت آية التوارث بين الزوجين، فيدخل الزوج -أيضًا-، وحَقُّه في جميع تركتها ومالها، بِما في ذلك مهرها، النِّصفُ فَرْضًا في حالة عدم وجود فرعٍ وارث لها، وإلاَّ فحَقُّه الرُّبُع، لقوله عزّ وجلّ: ?وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ? [النساء: 12] .
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 26 من ذي الحجة 1427ه
الموافق ل: 15 يناير 2007م
1-هي بَرْوَع بنتُ واشق الرواسية الكلابية أو الأشجعية، مات عنها زوجها هلال بن مُرَّة الأشجعي قبل أن يدخل بها، ولم يَفرِض لها صَداقًا، فقضى لها النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بِمثل صَداق نسائها.
انظر: « الاستيعاب » لابن عبد البرّ: (4/1795) ، «أسد الغابة » لابن الأثير: (5/408) ، «الإصابة » لابن حجر: (4/251) .
2-أخرجه أبو داود في «النكاح » : (2114) ، والترمذي في «النكاح » : (1145) ، والنسائي في «النكاح » : (3355) ، وابن ماجه في «النكاح » : (1891) ، وأحمد: (4264) ، من حديث عبد الله بن مسعود . والحديث صحَّحه ابن الملقن في «البدر المنير » : (7/680) ، وأحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد » : (6/137) ، والألباني في «الإرواء » : (1939) .
3-وهو مُجمَعٌ عليه. انظُر: « بدائع الصنائع » للكاساني: (2/434) ، و «الفقه الإسلامي » للزحيلي: (7/289) .