الفتوى رقم: 117
السؤال: ما حكم المال المكتسب من العمل في شركة إشهار، فيها اختلاط؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وآله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما، أمّا بعد:
فالمردود المادي يختلف حكمه باختلاف نوع الإشهار أوَّلًا، فإن كان الإشهار قائمًا على نشر الرذيلة والفساد كإشهار لوحات الخمور، والخدود، والخصور، والملابس السافرة وغيرها مما يشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فالمال المتقاضى من أجله باطل، لا يجوز اكتسابه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:« إنَّ الله إذا حرَّم شيئا حرَّم ثمنه"، (1) أمَّا إذا كان الإشهار قائمًا على الفضيلة في الجملة أو نشر المباحات مما هي سبيل إلى اقتنائها وحاجة الناس إليها، فإنَّ المال المأخوذ جائز، ولا يعكر عليه أمر الاختلاط إذا كان لا يستطيع التخلص منه لندرة خلو أماكن العمل منه، ذلك لأنّ الاختلاط عارض على العمل، وعوارض الشيء لا تبطل الأصل، لكن فاعله آثم إذا لم يسدّ باب الفتنة."
وبناء عليه، إذا كان في هذه المؤسسة الإشهارية التي لا تخدم الرذيلة والفساد، لكن يوجد فيها اختلاط لا يؤثر في سيرته وسلوكه، ولا يخشى عليه التأثر، فإنه يجوز العمل ويحاول اجتنابهن قدر الإمكان لقوله تعالى: ?فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ? [التغابن: 16] ، ولأن الأصل انتياب الرجل أماكن العمل، لأنّه مأمور بالاكتساب والنفقة، والمرأة حال اختلاطها به آثمة، لأنها خالفت أصلها في القرار في البيت والمكوث فيه لقوله تعالى: ?وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ? [الأحزاب: 33] ، فإن خشي على نفسه ميول قلبه والتأثر بالاختلاط المفضي إلى الفحشاء فالواجب عليه أن يغير عملًا آخر بعيدًا عن الفتنة -إن أمكن- عملًا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:« مَا تَرَكْتُ بَعْدِى فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ" (2) ، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم:« إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ" (3) .
هذا، ونسأل الله لنا ولكم حسن العون والسداد والتوفيق لما يحب ويرضى وأن يبعدنا عن الزلل والفساد والفتن ما ظهر منها وما بطن.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.
الجزائر في: 20 محرم 1426ه
الموافق لـ: 01 مارس 2005م
1-أخرجه أحمد (2730) ، وابن حبان (5028) ، والدارقطني في سننه (2852) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنه. وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لمسند الإمام أحمد (4/347) ، والألباني في غاية المرام (318) .
2-أخرجه البخاري في النكاح (5096) ، ومسلم في الرقاق (7121) ، والترمذي في الأدب (3007) ، وابن ماجه في الفتن (4133) ، وأحمد (22378) ، والحميدي في مسنده (574) ، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه.
2-أخرجه مسلم في الرقاق (7124) ، والترمذي في الفتن (2350) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.