الفتوى رقم: 572
السؤال: تساءل كثير من إخواننا حول جواز صلاة الغائب على الرئيس العراقي التي أقيمت بالبلاد فامتنع البعض بحجة أنه صُلي عليه، وقال الآخر بحُرمة الصلاة عليه لكونه كافرًا؛ فأفيدونا بعلمكم بارك الله فيكم.
الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فإنّ من تغيَّر حالُه بالتوبة إلى اللهِ على المظالِم المرتَكَبَة ونَدِمَ على تفريطه وتقصيره وأَقْلَعَ عن ذلك، فالموقف الشرعي يستوجب قَبول توبته بحَسَب سلوكه وحاله، وقد قال صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم: « النَّدَمُ تَوْبَةٌ » (1) ، وقد ثبتت توبة قاتل المائة المعلومة قصّته (2) وما تحمله من عِبَر، وقوله صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم: « إِنّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَدُخُلُ الجَنَّةَ » (3) ، وقد أخبرنا النبيُّ صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم عن «رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَحَابَّيْنِ: أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدٌ فِي العِبَادَةِ، وَالآخَرُ مُذْنِبٌ، فَجَعَلَ المُجْتَهِدُ يَقُولُ: أَقْصِرْ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ، فَيَقُولُ: خَلِّنِي وَرَبِّي، حَتَّى وَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ، فَقَالَ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللهِ لاَ يَغْفِرُ اللهُ لَكَ أَبَدًا، وَلاَ يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ، فَبَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا فَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلآخَرِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟ فَقَالَ: لاَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ » (4) .
أمّا صلاة الغائب إن مات في بلد لم يُصلَّ عليه فيه، فإنّه تُصَلَّى عليه صلاة الغائب، كما صَلَّى النبيُّ صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم على النجاشي لأنّه مات بين الكفار ولم يصلَّ عليه، فلو صلي عليه حيث مات لم تجز صلاة الغائب عليه، لأنّ الفرض سقط بصلاة المسلمين عليه ولم يكن هديُ النبيِّ صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم وسنّته الصلاةَ على كلّ ميتٍ غائب، فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غِيَب فلم يصلِّ عليهم، وعليه فالنبي صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم صَلَّى على الغائب وتركه وكلاهما سُنّة، فمتى صُلِّي عليه في بلده فتركه سنّة، ومتى لم يصلّ عليه ففعله سنّة فلكلٍّ موضعه، وهو مذهب المحقِّقين، وبه قال الخطَّابي وابن تيمية وابن القيم رحمهم الله، وغيرهم.
والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا.
الجزائر في: 20 من ذي الحجة 1427ه
الموفق ل: 9 يناير 2007م
1-أخرجه ابن ماجه في «الزهد » (4252) ، وابن حبان (614) ، والحاكم (7612) ، وأحمد (3558) ، وأبو يعلى (4969) ، والبزار (1926) ، والبيهقي (12147) ، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وحسنه ابن حجر في «فتح الباري » (13/557) ، وصححه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد » (6/45) ، والألباني في «صحيح الجامع » (6802) .
2-أخرجه البخاري في كتاب « الأنبياء » من صحيحه (3283) ، ومسلم في «التوبة » (7008) ، وابن ماجه في «الديات » (2622) ، وابن حبان (615) ، وأحمد (11290) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
3-أخرجه البخاري في «بدء الخلق » (3036) ، ومسلم في «القدر » (6723) ، وأبو داود في «السنة » (4708) ، والترمذي في «القدر » (2137) ، وابن ماجه في «المقدمة » (76) ، وابن حبان (6174) ، وأحمد (3617) ، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
4-أخرجه أبو داود في «الأدب » (4901) ، وابن حبان (5712) ، وأحمد (8093) ، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (4901) ، وحسنه مقبل الوادعي في «الصحيح المسند » (1318) .