فهرس الكتاب

الصفحة 938 من 995

الفتوى رقم: 929

السؤال:

في صفحة [35] من «الفتح المأمول» مثَّلتم للكراهة بقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى المَسْجِدِ، فَلاَ يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَإِنَّهُ فِي الصَّلاَة» (1) ، وجعلتم الصارف من التحريم إلى الكراهة ما ثبت في الصحيحين: « أَنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي المَسْجِدِ» ، فالإشكال أنَّ تشبيك النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كان بعد الصلاة، ونهيه عنه قبل الصلاة وأثنائها بدليل تعليله في آخر الحديث بقوله: «فإنه في الصلاة» .

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فلا إشكالَ بين الحديثين؛ لأنَّ حديث النهي عن تشبيك الأصابع إنما ورد فيمن كان في المسجد أو ماشيًا إليه، سواء كان في الصلاة قبلها أو بعدها، قال الشوكاني: « وهو منهي عنه في الصلاة ومقدماتها ولواحقها من الجلوس في المسجد والمشي إليه » (2) ، ويستأنس لهذا المعنى ما ورد ضعيفًا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: « ِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي المَسْجِدِ فَلاَ يُشَبِّكَنَّ، فَإِنَّ التَّشْبِيكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَزَالُ فِي صَلاَةٍ مَا دَامَ فِي المَسْجِدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ» (3) ، والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كان في المسجد وشَبَّك بين أصابعه ولم يخرج منه، لذلك كان حديث ذي اليدين: «…ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» (4) صارفًا لظاهر النهي الذي هو للتحريم إلى الكراهة، وبه يتمُّ الجمع بين الحديثين بحمل النهي على الكراهة.

وإذا كانت علة النهي عن تشبيك الأصابع في المسجد هي العبث على أرجح الأقوال (5) ، فإنه يمكن توسيع دائرة الكراهة من المسجد إلى سائر مواضع العبادات كالسعي والطواف وغيرها، ومجالس العلم والذكر والمدارسة؛ لأنّ العبث لا يتجانس مع مضمون العبادة والديانة، ويقوِّي ذلك أنّ تشبيك الأصابع يُنهى عنه في الصلاة سواء في المسجد أو خارجه، وعليه فإنّ النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فضلًا عن كونه في المسجد -كما في حديث ذي اليدين- فإنَّ تشبيكه بعد الصلاة كان في محلِّ الذِّكر والتسبيح فكان فعله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لذلك نادرًا يرفع التحريمَ ولا يرفع الكراهة.

هذا، وإذا كان التشبيك المُنهى عنه من أجل العبث، فإنه يخرج عن النهي ما كان سبيله التعليم والبيان، فقد ثبت عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنه قال: «دَخَلْت العُمْرَة فِي الحَجِّ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» (6) ، وكذا في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» (7) ، ففي الحديثين وجهٌ للتشبيه والمبالغة في البيان. قال ابن حجر: «ويستفاد منه أنَّ الذي يريد المبالغة في بيان أقواله يمثلها بحركاته ليكون أوقع في نفس السامع» (8) .

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في 17 جمادى الثانية 1429ه

الموافق ل: 21 جوان 2008م

1-أخرجه أحمد: (4/241) ، وأبو داود: (1/380) ، رقم: (562) ، والدارمي: (1/327) ، والترمذي: (2/228) ، برقم: (386) من حديث كعب بن عُجْرَة. [انظر: «صحيح الجامع الصغير للألباني» : (1/180) ] .

2- «نيل الأوطار» للشوكاني: (3/230) .

3-أخرجه أحمد في «مسنده» : (10992) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. والحديث حسّنه الهيثمي في «مجمع الزوائد» : (2/139) ، قال ابن حجر في «الفتح» (2/142) : «وفي إسناده ضعيف ومجهول» ، وضعَّفه الألباني «السلسلة الضعيفة» : (2628) .

4-أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره: (468) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

5-وقيل: لما فيه من التشبه بالشيطان، وقيل لدلالة الشيطان على ذلك. [ «نيل الأوطار» للشوكاني: (3/2229) ] .

6-أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب الحج، باب حجة النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: (2950) ، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

7-أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب المظالم، باب نصر المظلوم: (2314) ، ومسلم في «صحيحه» كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم: (6585) ، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

8- «فتح الباري» لابن حجر (10/450) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت