ذلك الراقد يصبح وقد سبق هذا القائم بمراحل كثيرة.
الرابعة والثلاثون: أن الذكر رأس الأصول، وطريق عامة الطائفة الصوفية ومنشور الولاية، فمن فتح له فيه فقد فتح له باب الدخول على الله عز وجل، فليتطهر وليدخل على ربه يجد عنده كل ما يريد، فإن وجد ربه عز وجل وجد كل شيء، وإن فاته ربه عز وجل فاته كل شيء.
الخامسة والثلاثون: أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمّر إليها السالكون، فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر، وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها كان أعظم لثمرتها، فالذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى التوحيد، وهو أصل كل مقام وقاعدته التي يبنى ذلك المقام عليها، كما تبنى الحائط على أسسها، وكما يقوم السقف على حائطه، وذلك أن العبد إن لم يستيقظ لم يمكنه قطع منازل السير، ولا يستيقظ إلا بالذكر كما تقدم، فالغفلة نوم القلب أو موته.
السادسة والثلاثون: أن الذاكر قريب من مذكوره، ومذكوره معه، وهذه المعية معية خاصة، غير معية العلم والإحاطة العامة، فهي معية بالقرب والولاية والمحبة، والنصرة والتوفيق، كقوله تعالى: {إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] ، {وإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] ، {والله مَعَ اَلصّابِرِينَ} [الأنفال: 66] ، {لا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنا} [التوبة: 40] . وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر كما في الحديث الإلهي: «أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه» (1) ، وفي أثر آخر: «أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري
(1) رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم وابن حبان وصححه. كما في «فيض القدير» ج 1/ص 309.