المهندس، أو يفهم المهندس اصطلاح الطبيب حين يعبر كل منهما عن آلاته ومسميات فنه؟
ومن قرأ كتب علم من العلوم دون أن يعرف اصطلاحاته، أو يطلع على رموزه وإشاراته، فإنه يؤول الكلام تأويلات شتى مغايرة لما يقصده العلماء، ومناقضة لما يريده الكاتبون فيتيه ويضل.
وللصوفية اصطلاحاتهم التي قامت بعض الشيء مقام العبارة في تصوير مدركاتهم ومواجيدهم، حين عجزت اللغة عن ذلك. فلا بد لمن يريد الفهم عنهم من صحبتهم حتى تتضح له عباراتهم، ويتعرف على إشاراتهم ومصطلحاتهم؛ فيستبين له أنهم لم يخرجوا عن الكتاب والسنة، ولم ينحرفوا عن الشريعة الغراء، وأنهم هم الفاهمون لروحها، الواقفون على حقيقتها، الحارسون لتراثها.
قال بعض العارفين: (نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقنا) (1) . لأن الغاية من تدوين هذه العلوم إيصالها لأهلها، فإذا اطلع عليها من ليس من أهلها جهلها، ثم عاداها، لأن الإنسان عدو لما جهل. ولذلك قال السيد علي بن وفا رحمه الله تعالى: (إنّ من دوّن المعارف والأسرار لم يدوّنها للجمهور، بل لو رأى من يطالع فيها ممّن ليس هو بأهلها لنهاه عنها) (2) .
إن كلام السادة الصوفية في تحذير من لا يفهم كلامهم ولا يعرف اصطلاحاتهم من قراءة هذه الكتب ليس من قبيل كتم العلم، ولكن خوفا
(1) «اليواقيت والجواهر» للشعراني ج 1. ص 22.
(2) نفس المصدر السابق.