ضاق لها صدري، وعلمت أن آداب الدين وصدق الورع بحر لا ينجو من الغرق فيه شبهي، ولا يقوم بحدوده مثلي، فتبين لي فضلهم، واتضح لي نصحهم، وأيقنت أنهم العاملون بطريق الآخرة والمتأسون بالمرسلين، والمصابيح لمن استضاء بهم، والهادون لمن استرشد.
فأصبحت راغبا في مذهبهم مقتبسا من فوائدهم قابلا لآدابهم محبا لطاعتهم، لا أعدل بهم شيئا، ولا أوثر عليهم أحدا، ففتح الله لي علما اتضح لي برهانه، وأنار لي فضله، ورجوت النجاة لمن أقرّ به أو انتحله، وأيقنت بالغوث لمن عمل به، ورأيت الاعوجاج فيمن خالفه، ورأيت الرّين متراكما على قلب من جهله وجحده، ورأيت الحجة العظمى لمن فهمه، ورأيت انتحاله والعمل بحدوده واجبا عليّ، فاعتقدته في سريرتي، وانطويت عليه بضميري، وجعلته أساس ديني، وبنيت عليه أعمالي، وتقلّبت فيه بأحوالي. وسألت الله عز وجل أن يوزعني شكر ما أنعم به عليّ، وأن يقويني على القيام بحدود ما عرّفني به، مع معرفتي بتقصيري في ذلك، وأني لا أدرك شكره أبدا) (1) .
قال الإمام الكبير حجة المتكلمين عبد القاهر البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه الفرق بين الفرق: (الفصل الأول من فصول هذا الباب في بيان أصناف أهل السنة والجماعة. اعلموا أسعدكم الله أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس:
(1) كتاب الوصايا ص 27 - 32. للإمام أبي عبد الله الحارث المحاسبي المتوفى 243 هـ. وهو من أمهات الكتب الصوفية المعتمدة.