وقد أوضح العلماء أن المقصود من ذم الدنيا الوارد في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ليس ذما لذاتها، وإنما هو تحذير من الانشغال القلبي بها؛ بأن يجعلها المؤمن غاية يسعى إليها بكل إمكانياته، ناسيا غايته الأساسية، وهي الفوز برضاء الله تعالى. فنعمت الدنيا مطية المؤمن ووسيلة إلى التقرب إلى الله تعالى، وبئست الدنيا إذا كانت معبوده. وفي هذا المعنى قال العلامة المناوي رحمه الله: (فالدنيا لا تذمّ لذاتها فإنها مزرعة الآخرة، فمن أخذ منها مراعيا للقوانين الشرعية أعانته على آخرته، ومن ثمّة قيل: لا تركن إلى الدنيا، فإنها لا تبقى على أحد، ولا تتركها فإن الآخرة لا تنال إلا بها) (1) .
بما أن الزهد مقام قلبي رفيع المنزلة لأنه تفريغ القلب من التعلق بسوى الله تعالى، كان الوصول إليه أمرا هاما يحتاج إلى جهود كبيرة ووسائل ناجعة، وأهمها صحبة المرشد الذي يأخذ بيد المريد، ويرسم له الطريق الصحيح، وينقله من مرحلة إلى مرحلة بحكمة ودراية، ويجنبه مزالق الأقدام.
فكم من أناس أخطأوا الطريق فجعلوا الزهد غاية، ولبسوا المرقّع من الثياب، وأكلوا الرديء من الطعام، وتركوا الكسب الحلال، وحسدوا أهل المال، وقلوبهم مفعمة بحب الدنيا، وهم يحسبون أنهم زاهدون. وما وقعوا في ذلك إلا لأنهم ساروا بأنفسهم بعيدين عن صحبة الدليل
(1) «فيض القدير شرح الجامع الصغير» ج 3/ص 545.