وكذلك صفة الكبر فهي مذمومة حين يتكبر المسلم على إخوته المسلمين، أما حين يتكبر على المتكبرين الكافرين فتصبح هذه الصفة محمودة لأنها في سبيل الله وضمن حدود شرعه.
وهكذا معظم الصفات المذمومة تحوّل بالمجاهدة وتصعّد إلى صفات ممدوحة.
وأول مرحلة في المجاهدة عدم رضى المرء عن نفسه، وإيمانه بوصفها الذي أخبر عنه خالقها ومبدعها: {إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ}
[يوسف: 53] .
وعلمه أن النفس أكبر قاطع عن الله تعالى (1) . كما أنها أعظم موصل إليه وذلك أن النفس حينما تكون أمّارة بالسوء لا تتلذذ إلا بالمعاصي والمخالفات، ولكنها بعد مجاهدتها وتزكيتها تصبح راضية مرضية لا تسرّ إلا بالطاعات والموافقات والاستئناس بالله تعالى.
وإذا اكتشف المسلم عيوب نفسه وصدق في طلب تهذيبها لم يعد
(1) والقواطع عن الله تعالى أربعة: النفس، والدنيا، والشيطان، والخلق. أما عداوة النفس والشيطان فظاهرة، وأما الخلق فملاحظة مدحهم وذمهم تعرقل سير السالك إلى ربه، وأما الدنيا فالاهتمام بها وانشغال القلب بتقلباتها قاطع كبير عن الله تعالى، ففي حالة الفقر تكثر هموم المرء فتشغله عن الله، وفي حال الغنى ينشغل بزينتها وزخرفها عن الله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى} [العلق: 6 - 7] . أما إذا أخرج حبها من قلبه فإنها لا تضره، كما قال شيخ الصوفية سيدي عبد القادر الجيلاني رحمه الله: (أخرج الدنيا من قلبك، وضعها في جيبك أو في يدك فإنها لا تضرك) وراجع بحث الزهد في هذا الكتاب.