حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق، وحسن صحبة الرفقاء، والقيام بخدمتهم، واستعمال الأخلاق الجميلة، والمداومة على الأوراد وترك ارتكاب الرخص والتأويلات، وما ضل أحد في هذا الطريق إلا بفساد الابتداء، فإن فساد الابتداء يؤثر في الانتهاء) (1) .
لقد كان علماء الشريعة الإسلامية من الفقهاء والمحدّثين، يسيرون على أثر الرسول الأعظم صلّى الله عليه وسلّم، فيجمعون بين الشريعة والطريقة والحقيقة، ويؤدون العبادات العملية متحققين بسر الإخلاص فيها، متذوقين حلاوتها، مدركين أسرارها، وقد كانت لهم مجاهدات لتهذيب نفوسهم وإصلاح قلوبهم. ولما تحلّوا به من صلاح وتقوى ومعرفة نالوا هذه المراتب العلمية، ومنحهم الله تعالى هذا الفهم لكتابه والتعمق في شرعه، ونفع الله الأمة بعلومهم على مرّ السنين والأيام، فكأنهم أحياء بآثارهم الخالدة وجهودهم العلمية المباركة.
نقل الفقيه الحنفي الحصكفي صاحب الدر: أن أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى قال: (أنا أخذت هذه الطريقة من أبي القاسم النصر أباذي، وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلي، وهو من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داود الطائي، وهو أخذ العلم والطريقة من أبي حنيفة رضي الله عنه، وكل منهم أثنى عليه وأقرّ بفضله .. ) ثم قال صاحب الدر معلقا: (فيا عجبا لك يا أخي! ألم يكن لك أسوة حسنة في هؤلاء السادات الكبار؟ أكانوا متّهمين في هذا الإقرار
(1) طبقات الصوفية للسلمي ص 488.