الزهد وسيلة للوصول إلى الله تعالى، وشرطا لنيل حبه ورضاه، وليس غاية مقصودة لذاتها.
نفى بعضهم وجود الزهد في الإسلام نفيا قاطعا، واعتبر الزهد بدعة دخيلة على الدين، تسربت إليه عن طريق الرهبنة النصرانية أو النسك الأعجمي، ولا شك أن موقفهم هذا تسرّع في الحكم مع جهل بحقيقة الإسلام. فلو رجع هؤلاء المنكرون إلى أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لوجدوا أنه عليه الصلاة والسّلام يدعو إلى الزهد صراحة، ويعتبر الزهد وسيلة لنيل محبة الله تعالى. فقد روى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله دلّني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس قال له: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك» (1) .
ثم إن كل مسلم حين يتصفح كتاب الله تعالى، يجد كثيرا من الآيات الكريمة تصغّر من شأن الدنيا وتبين حقارتها وسرعة زوالها، وانقضاء نعيمها، وأنها دار الغرور، وفتنة الغافلين؛ ومقصود الحق من ذلك أن يزهّد الناس فيها بإخراج حبها من قلوبهم حتى لا تشغلهم عما خلقوا له من معرفة الله تعالى وإقامة دينه. قال الله تعالى: {يا أَيُّهَا اَلنّاسُ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ اَلدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ} [الروم: 60] .
وقال أيضا: {وما هذِهِ الْحَياةُ اَلدُّنْيا إِلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإِنَّ اَلدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] .
(1) رواه ابن ماجه في كتاب الزهد.