وبعد. فلعلك أيها القارئ - وقد عرفت التصوف الحق، واطلعت على كلام الأئمة الأعلام، وما ذكروه عنه، وعرفت صحة نسبته وتسلسله إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - أن تتخذ التصوف لك منهجا، وتحلّق في أجوائه الصافية، وتتعبد في محاريبه، وتسبح في أنواره وتعرج في معارجه، فتكون صورة مثالية عن هؤلاء الصوفية، الذين ورثوا الوراثة الكاملة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. إذ هم العلماء بالله تعالى، الداعون إلى الله على هدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فهو إمامهم في جميع حالاتهم، والعلم بالله تعالى صفتهم، والعبادة حليتهم، والتقوى شعارهم، وحقائق الحقيقة أسرارهم. لهم من الساعات من إمداد فضل الله مزيد، ولهيب شوقهم يتأجج ويقول: هل من مزيد؟!
لقد تفانى الصوفية في حب مولاهم، وعاشوا في ذكره ومناجاته، فعلّمهم وطهرهم، وزكاهم وأدبهم، واصطفاهم واجتباهم، وأحبهم ورضي عنهم، ففتح لقلوبهم ملكوت السموات، وأراهم عجائب كونه وبدائع قدرته وأسرار خليقته، وأفاض عليهم هداياه وعطاياه علوما وأذواقا.
فما أجدر الباحثين والمفكرين ورواد الحقيقة بالبحث عن ذلك التراث الإسلامي العظيم الذي تركه لهم أسلافهم من قبل وديعة في أيديهم، وأمانة في أعناقهم، فيأخذوه عن أهله، ويقدروه حقّ قدره، ثم بعد