فالذي يخلصه من رؤية عمله علمه بفضل الله تعالى عليه وتوفيقه له، وأنه مخلوق هو وعمله لله تعالى: {والله خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] . إلا أن له نسبة الكسب فقط.
وإذا دقق في صفات النفس، وعلم أنها كما وصفها الله تعالى: {إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] . أدرك أن كل خير يصدر منه هو محض فضل من الله تعالى ومنّة، وعندئذ يتذوق معنى قوله تعالى: {ولَوْ لا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ} [النور: 21] .
فتخلص العبد من رؤية أعماله وإعجابه بها يكون بمعرفة نفسه ومعرفة دخائلها، فليجتهد الإنسان في تحصيل هذه المعرفة.
الحجاب الثاني: طلبه العوض لعمله، والعوض إما أن يكون في الدنيا أو في الآخرة.
أما الذي يكون في الدنيا، فطلبه الشهوات المنوّعة، ومنها شهوة السمعة والشهرة، وحب الظهور وغير ذلك، وكذلك طلبه للأحوال والمقامات والمكاشفات والمعارف.
ولهذا يقول العارف الكبير الشيخ أرسلان رحمه الله تعالى ناصحا كل ملتفت إلى غير مطلوبه ومحبوبه ومقصوده: (يا أسير الشهوات والعبادات، يا أسير المقامات والمكاشفات، أنت مغرور) (1) . وإنما كان أسيرها لأنها من جملة الأغيار ومن عالم الخلق، فالوقوف عندها قاطع عن الوصول إلى معرفة خالقها تعالى، قال تعالى: {وأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى} [النجم: 42] .
ويقول الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى معلقا على كلامه:
(1) «خمرة الحان ورنة الألحان» ص 177.