قال تعالى: {واُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8] .
قال العلامة أبو السعود مفسرا قوله تعالى: {واُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8] : (ودم على ذكره تعالى ليلا ونهارا على أي وجه كان؛ من التسبيح والتهليل والتحميد ... إلى أن قال: وانقطع إليه بمجامع الهمة واستغراق العزيمة في مراقبته، وحيث لم يكن ذلك إلا بتجريد نفسه عليه الصلاة والسّلام عن العوائق الصادرة المانعة عن مراقبة الله تعالى، وقطع العلائق عما سواه) (1) .
وكل أمر أمر به صلّى الله عليه وسلّم تشريع له ولأمته إلا فيما خصّ به، وخصوصياته معروفة، وهذا الأمر في هذه الآية المذكورة عام له ولأمته.
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء؛ فيتحنّث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، ويتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء) (2) .
قال ابن أبي جمرة في شرحه لهذا الحديث: (في الحديث دليل على أن الخلوة عون للإنسان على تعبده وصلاح دينه، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما
(1) تفسير العلامة أبي السعود على هامش تفسير فخر الدين الرازي ج 8/ص 338.
(2) رواه البخاري في صحيحه باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.