فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 565

اعتزل عن الناس وخلا بنفسه، أتاه هذا الخير العظيم، وكل أحد امتثل ذلك أتاه الخير بحسب ما قسم له من مقامات الولاية.

وفيه دليل على أن الأولى بأهل البداية الخلوة والاعتزال، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان في أول أمره يخلو بنفسه.

وفيه دليل على أن البداية ليست كالنهاية، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أول ما بدئ في نبوته بالمرائي، فما زال عليه الصلاة والسّلام يرتقي في الدرجات والفضل، حتى جاءه الملك في اليقظة بالوحي، ثم ما زال يرتقي، حتى كان كقاب قوسين أو أدنى، وهي النهاية. فإذا كان هذا في الرسل فكيف به في الأتباع؟! لكن بين الرسل والأتباع فرق، وهو أن الأتباع يترقون في مقامات الولاية - ما عدا مقام النبوة، فإنه لا سبيل لهم إليها، لأن ذلك قد طوي بساطه - حتى ينتهوا إلى مقام المعرفة والرضا، وهو أعلى مقامات الولاية.

ولأجل هذا تقول الصوفية: من نال مقاما فدام عليه بأدبه ترقى إلى ما هو أعلى منه، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ أولا في التحنث ودام عليه بأدبه، إلى أن ترقى من مقام إلى مقام، حتى وصل إلى مقام النبوة، ثم أخذ في الترقي في مقامات النبوة حتى وصل به المقام إلى قاب قوسين أو أدنى كما تقدم. فالوارثون له بتلك النسبة؛ من دام منهم على التأدب في المقام الذي أقيم فيه ترقى في المقامات حيث شاء الله، عدا مقام النبوة التي لا مشاركة للغير فيها بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم) (1) .

(1) «بهجة النفوس» شرح مختصر البخاري للإمام الحافظ أبي محمد عبد الله بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي المتوفى 699 هـ. ج 1/ص 10 - 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت