مناجاته، وخصوصا عند ما تنطلق، وتتحرر من قيود المادة، وتسبح في عوالم الملكوت؛ إذ الخلوة تروض النفس على الإذعان لبارئها والأنس بربها.
ألا ترى الطير البازي كيف كان نفاره من الآدميين في الجبال الشامخات، ثم حين يصاد ويلقى في البيت، وتخاط عيناه حتى ينقطع عن الطيران، ويربى باللحم، ويرفق به، حتى يأنس بصاحبه، ويألفه إلفا؛ إذا دعاه فسمع صوته أجابه، حتى إذا أرسله وحثّه على الطيران طار، فصاد وأمسك صيده، تحريا لموافقة مولاه، ثم إن دعاه من الطيران رجع، وآثر هوى صاحبه على هوى نفسه.
أ فلا يحق على مؤمن أبصر هذا أن يموت كمدا وعبرة وأسفا على فوت هذا من نفسه، أن يكون طيره أسمع له وأطوع، وأشد تحريا لموافقته وألزم لنصيحته من العبد المؤمن لربه.
والخلوة تريح القلب والفكر والعقل من الشواغل الدنيوية المتعاقبة، وهمومها المتلاحقة، وعند ذلك يذوق العبد طعم الإيمان، ويستنشق نسيم السعادة والطمأنينة. وإليك بعض أقوال السادة العلماء في ذلك:
قال العلامة الكبير الفيروز أبادي رحمه الله تعالى صاحب القاموس في ذكر حال حضرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل نزول الوحي: (ولما قربت أيام الوحي أحب الخلوة والانفراد، فكان يتخلى في جبل حراء، وهو على ثلاثة أميال من الكعبة، وبه غار صغير طوله أربعة أذرع وعرضه ذراع وثلث في بعض المواضع، وفي بعضها أقل، واختار محل الخلوة هناك.