وللعلماء في عبادته في خلوته قولان: قال بعضهم: كانت عبادته بالفكر. وقال بعضهم: بالذكر. وهذا القول هو الصحيح، ولا تعريج على الأول ولا التفات إليه؛ لأن خلوة طلاب طريق الحق على أنواع:
الأول: أن تكون خلوتهم لطلب مزيد علم الحق من الحق لا بطريق النظر والفكر، وهذا غاية مقاصد أهل الحق، لأن من خاطب في خلوته كونا من الأكوان، أو فكّر فيه فليس هو في خلوة. قال شخص من طلاب الطريق لبعض الأكابر: اذكرني عند ربك في خلوتك. قال: إذا ذكرتك فلست معه في خلوة. ومن ثمّ يعلم سر «أنا جليس من ذكرني» . وشرط هذه الخلوة أن يذكر بنفسه وروحه، لا بنفسه ولسانه.
الثاني: أن تكون خلوتهم لصفاء الفكر لكي يصح نظرهم في طلب المعلومات، وهذه الخلوة لقوم يطلبون العلم من ميزان العقل، وذلك الميزان في غاية اللطافة، وهو بأدنى هوى يخرج عن الاستقامة، وطلاب طريق الحق لا يدخلون في مثل هذه الخلوة، بل تكون خلوتهم للذكر، وليس للفكر عليهم قدرة ولا سلطان، ومهما وجد الفكر إلى صاحب الخلوة فينبغي أن يعلم أنه ليس من أهل الخلوة، ويخرج من الخلوة ويعلم أنه ليس من أهل العلم الصحيح الإلهي، إذ لو كان من أهل ذلك لحالت العناية الإلهية بينه وبين دوران رأسه بالفكر.
الثالث: خلوة يفعلها جماعة لدفع الوحشة من مخالطة غير الجنس، والاشتغال بما لا يعني، فإنهم إذا رأوا الخلق انقبضوا، فلذلك اختاروا الخلوة.
الرابع: خلوة لطلب زيادة لذة توجد في الخلوة.
وخلوة حضرة صاحب الرسالة من القسم الأول، وكان بعيدا جدا من جميع المخالطات حتى الأهل والمال وذات اليد، واستغرق في بحر