فهرس الكتاب

الصفحة 486 من 565

كما بدأ فطوبى للغرباء» (1) ، وهم المتفرّدون بدينهم، فعظمت مصيبتي لفقد الأولياء الأتقياء، وخشيت بغتة الموت أن يفاجئني على اضطراب من عمري لاختلاف الأمة، فانكمشت في طلب عالم لم أجد لي من معرفته بدّا، ولم أقصّر في الاحتياط ولا في النصح. فقيّض لي الرؤوف بعباده قوما وجدت فيهم دلائل التقوى وأعلام الورع وإيثار الآخرة على الدنيا، ووجدت إرشادهم ووصاياهم موافقة لأفاعيل أئمة الهدى، [و وجدتهم] مجتمعين على نصح الأمة، لا يرجّون أبدا في معصيته، ولا يقنّطون أبدا من رحمته، يرضون أبدا بالصبر على البأساء والضراء والرضا بالقضاء والشكر على النعماء، يحبّبون الله تعالى إلى العباد بذكرهم أياديه وإحسانه، ويحثّون العباد على الإنابة إلى الله تعالى، علماء بعظمة الله تعالى، علماء بعظيم قدرته، وعلماء بكتابه وسنته، فقهاء في دينه، علماء بما يحب ويكره، ورعين عن البدع والأهواء، تاركين التعمق والإغلاء، مبغضين للجدال والمراء، متورّعين عن الاغتياب والظلم مخالفين لأهوائهم، محاسبين لأنفسهم، مالكين لجوارحهم، ورعين في مطاعمهم وملابسهم وجميع أحوالهم، مجانبين للشبهات، تاركين للشهوات، مجتزئين بالبلغة من الأقوات، متقللين من المباح، زاهدين في الحلال، مشفقين من الحساب، وجلين من المعاد، مشغولين بينهم، مزرين على أنفسهم من دون غيرهم، لكل امرئ منهم شأن يغنيه، علماء بأمر الآخرة وأقاويل القيامة وجزيل الثواب وأليم العقاب.

ذلك أورثهم الحزن الدائم والهمّ المقيم، فشغلوا عن سرور الدنيا ونعيمها. ولقد وصفوا من آداب الدين صفات، وحدّوا للورع حدودا

(1) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت