يتكالبون، وإلى جمعها يهرعون، وفي الاستكثار منها يرغبون، فهم في الدنيا أحياء، وفي العرف موتى، بل العرف عندهم منكر، والاستواء [بين الحي والميت] معروف.
فتفقدت في الأصناف نفسي، وضقت بذلك ذرعا، فقصدت إلى هدى المهتدين، بطلب السداد والهدى، واسترشدت العلم، وأعملت الفكر، وأطلت النظر، فتبيّن لي من كتاب الله تعالى وسنة نبيه وإجماع الأمة، أن اتباع الهوى يعمي عن الرشد، ويضل عن الحق، ويطيل المكث في العمى.
فبدأت بإسقاط الهوى عن قلبي، ووقفت عند اختلاف الأمة مرتادا لطلب الفرقة الناجية، حذرا من الأهواء المردية والفرقة الهالكة، متحرزا من الاقتحام قبل البيان، وألتمس سبيل النجاة لمهجة نفسي.
ثم وجدت باجتماع الأمة في كتاب الله المنزل أن سبيل النجاة في التمسك بتقوى الله وأداء فرائضه، والورع في حلاله وحرامه وجميع حدوده، والإخلاص لله تعالى بطاعته، والتأسّي برسوله صلّى الله عليه وسلّم. فطلبت معرفة الفرائض والسنن عند العلماء في الآثار، فرأيت اجتماعا واختلافا، ووجدت جميعهم مجتمعين على أن علم الفرائض والسنن عند العلماء بالله وأمره، الفقهاء عن الله العاملين برضوانه الورعين عن محارمه المتأسين برسوله صلّى الله عليه وسلّم والمؤثرين الآخرة على الدنيا؛ أولئك المتمسكون بأمر الله وسنن المرسلين.
فالتمست من بين الأمة هذا الصنف المجتمع عليهم والموصوفين بآثارهم، واقتبست من علمهم، فرأيتهم أقل من القليل، ورأيت علمهم مندرسا كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا