من أن يفهم الناس من كتبهم غير ما يقصدون، وخشية أن يؤولوا كلامهم على غير حقيقته، فيقعوا في الإنكار والاعتراض، شأن من يجهل علما من العلوم. لأن المطلوب من المؤمن أن يخاطب الناس بما يناسبهم من الكلام وما يتفق مع مستواهم في العلم والفهم والاستعداد، ولهذا أفرد البخاري في صحيحه بابا في ذلك فقال: «باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وقال علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله؟» (1) . قال العلامة العيني رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: (ترك بعض الناس من التخصيص بالعلم لقصور فهمهم، والمراد كلموهم على قدر عقولهم، وفي كتاب العلم لآدم بن إياس عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره: «ودعوا ما ينكرون» . أي ما يشتبه عليهم فهمه، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة. ومثله قول ابن مسعود رضي الله عنه، ذكره مسلم في مقدمة كتابه بسند صحيح قال: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» . لأن الشخص إذا سمع ما لا يفهمه، وما لا يتصور إمكانه يعتقد استحالته جهلا، فلا يصدق وجوده، فإذا أسند إلى الله ورسوله يلزم تكذيبهما) (2) .
وقال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في قواعده: (في كل علم ما يخص وما يعم، فليس التصوف بأولى من غيره في عمومه وخصوصه، بل يلزم بذل أحكام الله المتعلقة بالمعاملات من كل
(1) «صحيح البخاري» كتاب العلم.
(2) «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» للإمام العيني ج 2. ص 204 - 205.