فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 565

والمشاهدة بسر القلب في الدنيا، وبعين الرأس في الآخرة، فليس معنى الوصول اتصال الذات بالذات، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) (1) .

وإن السير في طريق الوصول إلى الله تعالى صفة المؤمنين الصالحين، ومن أجله جاء الأنبياء والمرسلون، وإليه يدعو العلماء والمرشدون، كي يرتقي المرء من حضيض المادية والحيوانية إلى مستوى الإنسانية والملكية، ويذوق نعيم القرب ولذة الأنس بالله تعالى.

وإن الطريق واحدة في حقيقتها، وإن تعددت المناهج العملية، وتنوعت أساليب السير والسلوك تبعا للاجتهاد وتبدل المكان والزمان، ولهذا تعددت الطرق الصوفية وهي في ذاتها وحقيقتها وجوهرها طريق واحدة.

وفي هذا المعنى قال ابن القيّم: (الناس قسمان: علية(2) وسفلة، فالعلية: من عرف الطريق إلى ربه، وسلكها قاصدا للوصول إليه، وهذا هو الكريم على ربه، والسّفلة: من لم يعرف الطريق إلى ربه، ولم يتعرفها، فهذا هو اللئيم الذي قال الله تعالى فيه: {ومَنْ يُهِنِ الله فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج: 18] . والطريق إلى الله في الحقيقة واحدة لا تعدد فيها ... وأما ما يقع في كلام بعض العلماء أن الطريق إلى الله متعددة متنوعة، جعلها الله كذلك لتنوع الاستعدادات واختلافها، رحمة منه وفضلا، فهو صحيح لا ينافي ما ذكرناه من وحدة الطريق.

وكشف ذلك وإيضاحه أن الطريق واحدة جامعة لكل ما يرضي الله، وما يرضيه متعدد متنوع، فجميع ما يرضيه طريق واحدة، ومراضيه

(1) «روض الطالبين» للغزالي ص 150.

(2) علية: فلان من علية الناس، وهو جمع رجل علي، أي شريف رفيع مثل صبي وصبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت