صادرة، ولبابه قارعة، وإليه في محبته ناظرة، أما سمعت قول الحكيم وهو يقول:
أراعي سواد الليل أنسا بذكره ... وشوقا إليه غير مستكره الصبر
ولكن سرورا دائما وتعرضا ... وقرعا لباب الرب ذي العز والفخر
فحالهم أنهم قربوا فلم يتباعدوا، ورفعت لهم منازل فلم يخفضوا، ونوّرت قلوبهم لكي ينظروا إلى ملك عدن بها ينزلون، فتاهوا بمن يعبدون، وتعززوا بمن به يكتفون، حلّوا فلم يظعنوا، واستوطنوا محلته فلم يرحلوا، فهم الأولياء وهم العاملون، وهم الأصفياء وهم المقربون، أين يذهبون عن مقام قرب هم به آمنون، وعزوا في غرف هم بها ساكنون، جزاء بما كانوا يعملون، فلمثل هذا فليعمل العاملون) (1) .
ولكي يقطع المرء عقبات الطريق، ويجتاز مقاماته لا بد له من مجاهدات نفسية ومواصلة للذكر والمراقبة والمحاسبة والخلوات، فالوصول إلى الله تعالى لا ينال بالتشهي والتمني بل لا بد من إيمان وتقوى، وصدق في القصد، وإخلاص في الغاية، وعند ذلك يكرم الله السالكين إليه بالمعرفة الكاملة، والسعادة القلبية الحقة.
قال الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى: (إن طريق الوصول إلى علم القوم الإيمان والتقوى {ومَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2) ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 3] . والرزق نوعان: روحاني وجسماني، قال الله تعالى: {واِتَّقُوا الله ويُعَلِّمُكُمُ الله} [البقرة: 282] .
(1) «حلية الأولياء» لأبي نعيم ج 10/ص 248 - 249.