وما أكل الرسول صلّى الله عليه وسلّم للأطعمة البسيطة، وربط الحجر على بطنه الشريف من الجوع - رغم أن الجبال عرضت له أن تكون ذهبا - إلا لبيان مشروعية هذه الأعمال.
وفي هذا قال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى، وهو تربّى على يد أشياخه من العارفين:(ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمستحسنات، لأن التصوف هو صفة المعاملة مع الله تعالى، وأصله التعزّف عن الدنيا كما قال حارثة:
عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري) (1) .
وقد كان المرشد الكبير سيدي عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى يوجه تلامذته في بادئ سيرهم أن يجاهدوا أنفسهم ويروضوها على الاخشيشان والصبر والتقشف، ثم بعدها ينقلهم إلى مراتب الزهد القلبي حين يستوي عندهم الأخذ والعطاء والفقر والغنى، وتفرغ قلوبهم من سوى الله تعالى.
وقد لفت السادة الصوفية الأذهان إلى أمور تساعد على التحقق بمقام الزهد منها:
1 -العلم بأن الدنيا ظل زائل وخيال زائر، والرحيل منها إلى دار البقاء، إما إلى نعيم وإما إلى عذاب، فيرى الإنسان نتيجة أعماله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يقرأ: {أَلْهاكُمُ اَلتَّكاثُرُ} [التكاثر: 1] قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي،
(1) «طبقات الصوفية» للسلمي ص 158.