فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 565

فالتوكل على الله تعالى تفويض الأمر إليه، والاعتماد في جميع الأحوال عليه، والتبرؤ من الحول والقوة له، وهو مرتبة قلبية، كما يلاحظ من التعاريف السابقة وغيرها، ولهذا لا تعارض بين التوكل على الله تعالى وبين العمل واتخاذ الأسباب، إذ التوكل محله القلب، والأسباب محلها البدن. وكيف يترك المؤمن العمل بعد أن أمر الله تعالى به في كثير من الآيات الكريمة، ودعا إليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم في أحاديث جمة.

فقد جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ناقة له فقال: يا رسول الله أأرسل ناقتي وأتوكل؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «اعقلها وتوكل» (1) .

ولهذا اعتبر العلماء ترك الأسباب والتقاعس عن السعي تواكلا وتكاسلا لا يتفق مع روح الإسلام، كما أكد الصوفية هذه الناحية تصحيحا للأفكار، وردا للشبهات، وبيانا للناس أن التصوف هو الفهم الحقيقي للإسلام.

قال القشيري رحمه الله تعالى: (التوكل محله القلب، والحركة بالظاهر لا تنافي التوكل بالقلب، بعد ما تحقق العبد أن التقدير من قبل الله تعالى، وإن تعسر شيء فبتقديره، وإن اتفق شيء فبتيسيره) (2) .

وقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (قد يظن الجهال أن شرط التوكل ترك الكسب وترك التداوي والاستسلام للمهلكات. وذلك خطأ لأن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على التوكل، وندب إليه فكيف ينال ذلك بمحظوره) (3) .

(1) رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة. وقال: غريب.

(2) «الرسالة القشيرية» ص 76.

(3) «الأربعين في أصول الدين» للغزالي ص 246.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت