فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 565

وقال ابن الدباغ رحمه الله تعالى: (فإن المحبة لا يعبّر عنها حقيقة إلا من ذاقها، ومن ذاقها استولى عليه من الذهول على ما هو فيه أمر لا يمكنه معه العبارة، كمثل من هو طافح سكرا، إذا سئل عن حقيقة السكر الذي هو فيه، لم يمكنه العبارة في تلك الحال؛ لاستيلائه على عقله. والفرق بين السكرين: أن سكر الخمر عرضي، يمكن زواله، ويعبر عنه في حين الصحو، وسكر المحبة ذاتي ملازم، لا يمكن من وصل إليه أن يصحو عنه، حتى يخبر فيه عن حقيقته، كما قيل:

يصحو من الخمر شاربوها ... والعشق سكر على الدوام (1)

لذلك لما سئل الإمام الجنيد رحمه الله تعالى عن المحبة، كان جوابه فيضان الدموع من عينيه، وخفقان القلب بالهيام والشوق، ثم عبر عما يجده من آثار المحبة.

قال أبو بكر الكتاني رحمه الله تعالى: (جرت مسألة في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سنا، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي! فأطرق رأسه، ودمعت عيناه ثم قال: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوار هيبته، وصفاء شربه من كأس ودّه، وانكشف له الجبار من أستار غيبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله، فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جزاك الله يا تاج العارفين) (2) .

(1) «مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب» لعبد الرحمن بن محمد الأنصاري المعروف بابن الدباغ ص 21.

(2) «مدارج السالكين» ج 3. ص 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت