فينظرون بنور الله وتنمحي أمامهم مقاييس الزمان والمكان، فيطّلعون على عوالم من أمر الله اطلاعا لا يستطيعه من لا يزال في قيد الشهوات والشكوك والبدع العقائدية والوساوس الشيطانية، ولا تتسع له إلا تلك القلوب النيّرة السليمة التي زالت عنها ظلمات الدنيا وغواشيها، وانقشعت عنها غيوم الشكوك ووساوسها، وكثافة الماديات وأوضارها.
نعم إنّ من غض بصره عن المحارم، وكفّ نفسه عن الشهوات، وعمّر باطنه بمراقبة الله تعالى، وتعوّد أكل الحلال لم يخطئ كشفه وفراسته، ومن أطلق نظره إلى المحرمات تنفست نفسه الظلمانية في مرآة قلبه فطمست نورها.
ويرجع هذا الكشف إلى أن العبد إذا انصرف عن الحس الظاهر إلى الحس الباطن تغلبت روحه على نفسه الحيوانية المتلبسة ببدنه - والروح لطيفة كشّافة - فيحصل له حينئذ الكشف، ويتلقى واردات الإلهام.
يقول المؤرخ ابن خلدون رحمه الله تعالى فيما نحن بصدده:(ثم إن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحس، والاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس إدراك شيء منها؛ والروح من تلك العوالم. وسبب هذا الكشف أن الروح إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن، ضعفت أحوال الحس، وقويت أحوال الروح، وغلب سلطانه، وتجدد نشوؤه. وأعان مع ذلك الذكر؛ فإنه كالغذاء لتنمية الروح، ولا يزال في نمو وتزايد إلى أن يصير شهودا، بعد أن كان علما، ويكشف حجاب الحس، ويتم صفاء النفس الذي لها من ذاتها،
= الكشف، والكشف باب الفوز الأكبر، وهو الفوز بلقاء الله تعالى). «إحياء علوم الدين» للغزالي ج 3. ص 11.