وإذا كانت مهمة دعاة الإسلام المخلصين أن يعيدوا لهذا الدين روحه، وأن يفتحوا له مغاليق القلوب، فما قصد الصوفية في كل عصر وزمان إلا العودة بالمسلمين إلى ظلال الأنس بالله تعالى، ونعيم مناجاته، وسعادة قربه، بإرجاع روحانية الإسلام إليه.
وإذا كان خصوم الإسلام قد عملوا على تشويه معالمه، فوصموه بالجمود والقصور، واتهموا أتباعه بالرجعية والتأخر، ومن ثم صبوا عليه حملاتهم المغرضة بأساليبهم المدروسة المبتكرة؛ فتارة يشككون الناس في المذاهب الفقهية المعتمدة، وتارة أخرى يطعنون في بعض رواة الحديث من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليقوضوا دعائم الإسلام، وحينا يثيرون الشبهات حول المسائل الإيمانية، ليفسدوا عقائد الأمة.
إذا كنا نرى كل هذا في شتى العصور، فإن الذي يثير الانتباه، ويلفت الأنظار الطعن المقصود، والهجوم العنيف على التصوف الإسلامي، وما ذلك إلا لأنه جوهر الإسلام، وروحه النابضة، وحيويته الفعالة، فلقد أراد المبطلون تشويه معالمه، وتصويره سبحا فلسفيا خياليا، وضعفا وزهدا وانعزالا، وابتداعا خرافيا، وهربا من واقع الحياة ونضالها. ولكن الله تعالى قد أذن لدينه بالحفظ والبقاء، فتحطمت أقلامهم، وذهبت الريح بدعواهم، وبقي التصوف منارة السالكين إلى الله تعالى، ومنهجا إيجابيا لنشر الإسلام، وتدعيم بنيانه.
لهذا الذي ذكرت، أقدم كتابي عن التصوف، دفاعا عنه، وتمييزا للبه من قشره، ولحقائقه مما علق به، وإظهارا للحق، ودمغا للباطل، مستندا إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وأقوال الأئمة الأربعة رضي الله عنهم، وأتباعهم من أعلام الفقهاء، والأصوليين والمحدثين، وأئمة الصوفية، ورجال الفكر الذين خدموا الإسلام خدمات حسنة.